"قميصي": رحلة إبداعية تبتكرها "أبو عباس" لدمج ذوي الإعاقة بصناعة الملابس

1718126068490871500
مشروع "قميصي"

بشغف للأزياء والتصميم وقلب ينبض بالسعادة لمساعدة الآخرين، بدأت الشابة الأردنية مروة أبو عباس مشروعها "قميصي". هذا المشروع يسعى لدمج ذوي الإعاقة في المجتمع الأردني من خلال تلبية احتياجاتهم وتدريبهم على تصنيع الألبسة.

اضافة اعلان


حققت أبو عباس إنجازات كبيرة في عمر صغير، فتوجت بتكريم من جلالة الملك عبدالله الثاني بمناسبة اليوبيل الفضي لتوليه سلطاته الدستورية. جاء التكريم تقديراً لمساهماتها في خدمة الأردن، إلى جانب شخصيات ومؤسسات في محافظة إربد، خاصة في خدمة أبناء وبنات المجتمع المحلي.


وفي حديث خاص مع "الغد"، عبّرت عباس عن شعورها بالسعادة الذي عجزت عن وصفه بالكلمات، حيث تكلل مشروعها "قميصي" بوسام الفخر والدعم والتقدير من جلالة الملك عبد الله الثاني. وأكد التكريم على دعم جلالته للشباب الرائد والمرأة، ودليل على ثقته بأهمية دور الشباب في المجتمع الأردني.


وتضيف أبو عباس أن مشاعرها اختلطت بين الفرحة والصدمة في تلك اللحظة.

وأعربت عن شرفها بهذا التكريم الذي وجدت فيه اهتماماً وتقديراً كان له أثر كبير على نفسها وعلى مشروعها ومنحها الثقة بنفسها وزاد من رغبتها وعزيمتها لتقديم المزيد من العطاء والمساعدة من خلال مشروعها، لتمد يد العون للآخرين.


بدأ مشروع "قميصي" بقصة في أحد أروقة مركز الحسين للسرطان عندما كانت أبو عباس ترافق والدتها المريضة لتلقي العلاج. لفت انتباهها سيدة مبتورة اليد، وكان كم القميص يتدلى فارغاً بلا يد. وبدأت تتحدث إلى نفسها: "لماذا لا يتم تصميم الكم بطريقة مختلفة؟".


وبدأت تفكر في طريقة لإخفاء الكم بشكل أفضل وأجمل. في تلك اللحظة، قررت أبو عباس أنها ستبدأ هذه الخطوة لتصميم ملابس مخصصة للأشخاص مبتوري الأطراف.


وتذكر أبو عباس أن مشروع "قميصي" بدأ في العام 2021، حيث انطلق بالبحث والاستطلاع وجمع المعلومات وتنمية خبراتها. فهي من محبي الأزياء والملابس منذ الصغر، فكان "قميصي" فرصة لتفعل ما تحب وتساعد الآخرين في الوقت نفسه.


وتهدف أبو عباس من خلال مشروع "قميصي" إلى توفير ملابس مناسبة للأشخاص من ذوي الإعاقة، مما يتيح لهم القدرة على تمييز الألوان وقياس الملابس دون الحاجة إلى مساعدة الآخرين. كما تهدف إلى جعل المجتمع يتقبل كل شخص مختلف عنه، فهي مؤمنة بأن بدء هذا المشروع سيمكن المجتمع من فهم فكرة أن الاختلاف بين الناس أمر طبيعي.


ذكرت أبو عباس أنها عملت على أول تصميم دون دراسة، ولم يكن بذلك الإتقان. حينها أدركت أن الأمر يحتاج إلى دراسة واطلاع أكبر، وإجراء مقابلات مع أشخاص مبتوري الأطراف. بدأت عملية البحث عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ومع مرور الأيام، كانت الفكرة تكبر وتثير المزيد من التساؤلات، خاصة حول المكفوفين وكيفية تمييزهم لألوان الملابس.


لذلك، توجهت إلى المكفوفين وعائلاتهم للسؤال عن ذلك، وتمكنت من التواصل مع 150 شخصًا مكفوفًا. وجميعهم أيدوا فكرة وجود شيء يساعدهم في تمييز ألوان الملابس. كما أن ردود الفعل الإيجابية من العائلات والأطفال المكفوفين دفعتها لتوسيع الأفكار أكثر.


أبو عباس تبين أن فكرة "قميصي" بدأت تتوسع مع مرور الوقت لتصبح قادرة على تناسب تصاميمها لمبتوري الأطراف والمكفوفين وذوي الإعاقة بشكل عام. وتقول: "قد تبدو الفكرة بسيطة، لكن تطبيقها يحتاج إلى مهارة وإتقان ورغبة".


وتعلمت التصميم عبر منصة اليوتيوب، وبعد ذلك أخذت دورة في تصميم الأزياء لتتقن عملها أكثر وتستطيع مساعدة الآخرين بالشكل المطلوب.


وتذكر أبو عباس في الفستان الأول الذي صممته أنها كانت تضع الأزرار، لكن بعد دراسة الموضوع بتمعن ومراعاة الصعوبات التي قد يواجهها أصحاب الإعاقات في التعامل مع الأزرار، قررت استبدالها بالمغناطيس الصغير. وأكدت بذلك أنها تحاول صنع تصميم مناسب ومريح لذوي الإعاقة.


عندما رأت أن ردة الفعل الإيجابية للمكفوفين وعائلتهم أصبحت فكرة الدمج بالمجتمع الذي يدعو له العالم أجمع واجبة على مشروعها، منوهة أن صناعة الملابس ثاني أكبر صناعة في العالم.


وتؤمن أبو عباس بأن الأزياء ليست مجرد تصميم موديلات جديدة، بل يجب أن تفكر في الآخرين وتبتكر. وأوضحت أنها حتى الآن لم تستطع إنتاج منتجات تلبي احتياجات الجميع، ولكنها تسعى جاهدة لذلك. وأشارت إلى وجود أشخاص يعانون من التوحد ومتلازمة داون ضمن الدراسة، ولهم نصيب من هذه التصاميم لحل المشاكل التي يواجهونها في الملابس، سواء في المواد المستخدمة أو اللون.


وتؤكد أبو عباس أنها في عملها عليها أن تراعي نوع القماشة وطريقة خياطتها ولونها، وظروف جميع الأشخاص، لأن كل شخص مختلف عن الآخر. ووفقًا لذلك، تحاول أن تلبي احتياجات الجميع إلى جانب تحقيق الدمج مع المجتمع.


"دمج" كلمة من ثلاث أحرف ولكن مضمونها عميق ويحتاج لجهد ووقت وعمل سنين وليس من السهل أن تلبي جاحات الجميع. وتقول إن لديها هفوات وأخطاء ولكنها تسعى بجميع ما تمتلك من خبرة وابتكار لتحقق أهداف قميصي.


وفي مشروع "قميصي"، قدمت أبو عباس ورشات تدريبية لذوي الإعاقة، وكان هذا القرار بعدما وجدت أن الذين تعاملت معهم من المكفوفين وذوي الإعاقة أحبوا فكرة الأزياء وكان لديهم الرغبة في تجربة استخدام ماكينة الخياطة. ومن هنا جاءت فكرة الورشات.


وبدأت بتنفيذها برسم فواصل التصميم على الورق بطريقة البرايل، وأتت بأدوات تساعدهم على فهم التصميم ومعرفة أدق التفاصيل. وأشارت إلى أن الكفيف بعد الورشة يستطيع أن يخيط ويستخدم ماكينة الخياطة، بينما تساعدهم في قص الأقمشة وهم يخيطون القطعة.


وتذكر أن "الليبل" الخاص بالمشروع الذي كانت تخيطه بيدها، الآن هناك فتيات يساعدونها وقد تم استخدام طريقة البرايل للمكفوفين. وكذلك عملت على حل مشاكل مبتوري الأطراف من خلال إضافة يمكن من خلالها إخفاء الكم بجيب على الجوانب بطريقة جميلة.


دربت فتيات مكفوفات بدقة عالية، وأدركت خلال التدريب أنه ليس هناك اختلاف بين مبصر وكفيف، إذ إن إحساس اللمس لديهن عال، وهذا الشغف بالأزياء والرغبة ساعدهن على التعلم بسرعة. وكذلك يتم تهيئة الملابس بالطريقة التي تميزهم بين القطعة من الأمام والخلف، وهم يخيطون القطعة بكل مهارة.


وبحسب أبو عباس بعد هذه الورشات تم توفير فرص عمل لذوي الإعاقة، وكذلك أصبحوا يساعدون في خياطة الليبل الخاص بالمشروع بطريقة برايل، وفي المستقبل، سيتم تطويره ليصبح بالتطريز، إذ إن ماكينة التطريز تخرجه بنفس الشكل بطريقة أسهل.


ومن جهة أخرى، قدمت أبو عباس عروض أزياء دامجة للأطفال على حسابها الشخصي، وشارك في العرض أطفال لديهم إعاقة وأطفال أصحاء. وحاولت بذلك أن توصل فكرة الدمج، مبينة أن المكفوفين كانوا يبدعون في هذه العروض، بالرغم من أنهم لا يرون منصة العرض، إحساسهم أعطاهم هذه الثقة التي طغت على العرض.


 أبو عباس ساعدتهم ودربتهم بالرغم من قلة خبرتها، إلا أن الابتسامة التي تزين وجوههم كانت تدفعها للاستمرار، معترفة أنه في بعض الأحيان يصبح هذا الحمل ثقيلًا وصعبًا، إلا أنها تستمد قوتها منهم لتستمر.


ومن جهة أخرى، فإن أبو عباس محاضرة في جامعة اليرموك لمادة ريادة الأعمال والابتكار، وتخصصها في هذا المجال ساعدها لتوظيف مهارتها المعرفية في مشروعها "قميصي"، لتدمج العلم بالإبداع بطريقة تميز مشروعها.


وتذكر أبو عباس أن لديها طلاب من المكفوفين وذوي الإعاقة في الجامعة، وأصبحوا يهتمون بالمشروع ويشاركون فيه، مشيرة إلى أنها تسعى في تدريسها لمادة ريادة الأعمال والابتكار إلى أن يخرج الطلاب بأفكار جديدة، وأن يربط كل شخص فكرته بتخصصه لدمج تخصصات مع بعضها ليخرجوا بفكرة مبتكرة، مبينة أن الكثير من الطلاب بدأوا مشاريعهم الريادية.


وبحسب قولها إن لها تأثيرا كبيرا على الطلاب في الجامعة، ولهذا سعت للقيام بأنشطة متعددة. فهي لا تريد التعليم نظريًا فقط، بل تطبيقًا فعليًا للابتكار وريادة الأعمال، وتغيير التدريس من نظري إلى عملي.  ومشروع "قميصي" فكرة عميقة، كلما توسعت بها عرفت عن احتياجات أكثر. وتحتاج الكثير من الجهد والعمل.


طموحها الأساسي هو تغيير وجهة نظر العالم تجاه صناعة الملابس. لا تريد أن يكون تصنيع الملابس مجرد عملية إنتاج، لأن العالم الآن يتجه نحو فكرة الإنتاج السريع للملابس. وهي تتجه بمشروعها "قميصي" نحو فكرة أنه يجب أن نجعل الملابس أكثر شمولية لتشمل ذوي الإعاقة والبيئة وجميع الناس بشكل عام. لأن هدف "قميصي" يدعو لدمج ذوي الإعاقة بالمجتمع.


وتطمح أيضًا لافتتاح أول متجر للملابس مهيأ لذوي الإعاقة على مستوى العالم، يتيح لهم حرية الحركة واختيار الملابس وتوفير المساحات الداخلية المناسبة.

 

تعمل بجد على تصميم الداخلية، بالإضافة إلى سعيها للحصول على شهادة الدكتوراة من جامعة اليرموك في تخصص ريادة الأعمال. تهدف من خلال ذلك إلى مساندة طلابها ليحولوا أفكارهم إلى مشاريع ريادية ناجحة، وتسعى جاهدة لدعمهم لتحقيق نجاحات استثمارية.