كيف يكون السفر "أداة" لمواجهة الصور النمطية عن الشعوب؟

منى أبوحمور يغيب عن ذهن الكثيرين أنهم خلال سفرهم، قد يشكلون مصدرا لتكريس صور نمطية – سواء ايجابية أو سلبية- عن بلدانهم وشعوبهم التي ينتمون إليها. خصوصا وأن طبيعة التفكير البشري تلجأ لتعميم الاوصاف على مجاميع بشرية، لمجرد سلوك تكرر بشكل فردي من أفراد ينتمون لهذه المجاميع، فكيف يمكن تجنب الوقوع في الواقع، وهل نحتاج لـتعميم ما يسمى بـ”ثقافة السفر والتنقل”؟ خبراء ومختصون يشيرون لـ”الغد” إلى أن الإنسان في بلده يمثل نفسه، لكن في سفره يُمثّل بلده، ليس باختياره وإنما العرف الإنساني اتجه لهذا النحو، فأصبحت الأحكام تطلق عامة على تصرفات وسلوكيات فردية قد يقوم بها بعض الافراد خلال سفرهم لمناطق ودول جديدة. ويلفتون إلى نماذج كثيرة فردية وجماعية مثلت – وما تزال- المجتمع خير تمثيل في مختلف أنحاء العالم سواء بالتفوق في مختلف المجالات أو التعريف بالإنجازات وطبيعة المجتمع وما يمتلكه البلد من تنوع وثراء تاريخي وطبيعي. الأمانة تتطلب أن يضع الشخص مصلحة المجتمع والوطن فوق كل الاعتبارات وأن يستشعر مسؤولياته وينشر الصورة الحسنة اينما ذهب وفي جميع تعاملاته مع أبناء أمته والشعوب الأخرى. اختصاصية علم الاجتماع الدكتورة فاديا الإبراهيمي تشير بدورها إلى أن الناس في الخارج لا تحكم على تصرفات الشخص بمفرده أو اسم بعينه، فهو بالنسبة لهم سائح أو مواطن من هذه البلد او تلك، هكذا يتعاملون معه بجنسية بلده لا باسمه أو شخصه. وتكمن خطورة هذا الشيء بحسب الإبراهيمي بأن الحكم على دولة بكل تاريخها أو هيبتها من خلال شخص أو مجموعه قليلة من الاشخاص قد يؤثر بسمعة البلد ويشكل صوره نمطية سلبية عن البلد من خلال سلوكيات وتصرفات فردية لذا وجب الانتباة لسلوكيات السفر. كذلك، الانتباه الى قضية سوء التصرف الاجتماعي أثناء السفر بحسب الإبراهيمي يكون من خلال تناول الموضوع بشكل رسمي من قبل الدولة والعمل على تحسين ثقافة التنقل والاختلاط بالثقافات الاخرى. ويمكن للدولة ترسيخ هذه القيم وفق الإبراهيمي، من خلال إفراد بعض الدروس في مناهج التربية الوطنية والاجتماعية في المدارس والجامعات لرفع وعي الأفراد ومعرفتهم بسلوكيات السفر من خلال تعزز السلوكيات الإيجابية وتوعيتهم بعدم الوقوع أو ممارسة أي سلوك سلبي أو همجي قد يُضر بسمعة الدولة. كما تشدد الإبراهيمي على ضرورة أن تكون هناك حملات توعوية رسمية مكثفه تُقدم من خلالها معلومات تثقيفية قد تساعد المواطنين في حال سفرهم على التصرف والسلوك الايجابي الحضاري الذي يحترم الدولة التي خرجوا منها والدولة المستضيفة. وتقول الإبراهيمي،” نحن الآن على مشارف الألفية الثالثة وفي قمة الرقي الحضاري والانساني ولا يليق بهذه الفترة إلا كل ما هو حضاري وانساني”، وتطبيق القاعدة الأساسية “أنك ما دمت في بلد يجب عليك احترام ذلك البلد وثقافته وقوانينه وأهله.. والأهم من ذلك احترام نفسك وبلدك وجواز السفر الذي حملك لهذا البلد الجديد”. ويتفق في ذلك الاستشاري الأسري مفيد سرحان، مبينا أن الإنسان الواعي المنتمي لمجتمعه ووطنه وأمته يحرص على أن يكون نافعاً محبا لمجتمعه في كل الظروف والأحوال، فالانتماء الحقيقي ليس شعاراً يرفع بل هو عطاء مستمر، ومن واجبه أيضاً أن يسعى إلى نشر الصورة الحسنة عن نفسه ومجتمعه ووطنه أينما ذهب وأمام الآخرين سواء ممن هم من أبناء أمته أو الأمم والشعوب الأخرى. الى ذلك، وضع مصلحة الوطن والمجتمع فوق كل الاعتبارات فالشخص يستشعر مسؤولياته أينما ذهب وفي تعاملاته المختلفة سواء داخل وطنه أو خارجه. التزام الشخص بالسلوك الحسن خارج وطنه وتعامله مع الآخرين بطريقة لائقة تعطي الصورة الناصعة عن الوطن، وفق سرحان، فالإساءة والتعامل غير الحسن أو ارتكاب المخالفات مهما كان حجمها تنعكس سلباً على الشخص نفسه وعلى مجتمعه، والتصرف الخاطئ اساءة للمجتمع والدولة وليس للشخص نفسه وهو نوع من نكران الجميل وخيانة لأمانة المسؤولية، ومن يسيء لمجتمعه ووطنه يفقد احترام الآخرين له ولغيره. ويشير سرحان إلى أن الكثيرين يحكمون على الشعب والمجتمع من خلال تصرف شخص واحد في كثير من الأحيان، كما أن اعتزاز الشخص بعادات مجتمعه وتقاليده الحسنة يجعل منه موضع تقدير واحترام ويساهم في التأثير الإيجابي في الآخرين. ويقول سرحان “ليس المطلوب فقط عدم الإساءة بل أن ينقل ايجابيات وطنه ومجتمعه وأهله ويحبب الآخرين بهم دون الإساءة أو إظهار التعصب أو العداء لغيره”، متابعا أن المواطن سفير لبلده أينما ذهب وهو ممثل لوطنه أمام الآخرين وهذا الشعور يجب ألا يغيب عن الذهن لأنه يفرض علينا جميعاً حسن التصرف والالتزام هو سفير لوطنه من خلال تعامله مع غيره وهو يقوم بدور كبير في بناء العلاقات مع الآخرين. ويبين سرحان أن المواطن سفير لوطنه لأنه يختلط مع أعداد ونوعيات متعددة وهو يعطي الصورة الواقعية الحقيقية المؤثرة، بحسب سرحان ومن واجبه ليس فقط اعطاء الصورة المشرقة بل العمل على تعديل النظرة السلبية التي يتركها البعض – إن وجدت- بسبب التصرفات الخاطئة. والواجب العمل على ازالة هذا التشويه والتصور السلبي في المناطق التي يتعرض فيها الوطن لتشويه صورته بأشكال مختلفة، فالمسؤولية سواء لدى أفراد او مؤسسات والتعامل المباشر تأثيره كبير وهو أكثر أثراً من جميع وسائل الإعلام. الى ذلك، فإن الفرق الرياضية التي تسافر للمشاركة في المناسبات والبطولات وتتنافس مع مثيلاتها من دول أخرى لديها رسالة قيمية لا تقل اهمية عن حرصها على المنافسة والفوز وهي مهمة ليست بالسهلة خصوصاً مع فارق الإمكانيات والخبرة، وقد تتفوق القيم والأخلاق في نظر الكثيرين. حتى الذي يسافر في مهمة محددة للتدريب أو لتقديم دورة أو المشاركة في مؤتمر هو أيضاً ممثل لوطنه خلال فترة سفره، ومستوى مشاركته وتميز أدائه يفرض على الآخرين احترامه وتقديره ويجعلهم يشيرون لونه بالبنان، وكذلك من يقدم بحثاً متميزاً مثلاً هو انجاز ليس له فقط بل لوطنه وأمته. ويضيف سرحان؛ أثناء السفر بالطائرة أو الحافلة أو الالتقاء بالآخرين في المطار ولو لدقائق او ساعات محدودة هو أيضاً يحمل رسالة مجتمعه ووطنه لغيره، رسالة تحمل معاني الانضباط والنظام والمحافظة على النظافة وعدم ازعاج الآخرين والحرص على أن يكون سباقاً لمساعدة الضعفاء والمحتاجين معرفاً ببلده واهم معالمها. كم في داخل الوطن وفي اللقاءات التي تجمع الشخص مع آخرين من خارج الوطن أو من جنسيات أخرى فهو ايضاً يستطيع أن يكون مؤثراً ايجابياً مضيافاً كريماً بخلقه قبل ماله بعيداً عن استغلال الآخرين او الإساءة لهم. ويذهب سرحان الى أن التعامل مع السائحين الوافدين مهما كان سبب وجودهم ومدة اقامتهم هم ضيوف لهم واجب حسن الاستقبال والتعامل لينقلوا لذويهم وشعوبهم الصورة المشرقة. وفي الأردن أعداد كبيرة من الطلبة الوافدين من جنسيات متعددة جاءوا لتلقي العلم وهم يقيمون عدة سنوات وهي فرصة ليكونوا بعد عودتهم سفراء لمجتمعنا وهم أكثر من يستطيع ان ينقل الصورة ويعبر عن الواقع لأن المعايشة والمخالطة والاطلاع على العادات والتقاليد تجعلهم الأقدر على التقييم.اضافة اعلان