ما بين التأخر بالنطق والتوحد.. أهال "حائرون" وخبراء يوضحون الفرق

987
987
رشا كناكرية دقائق من الخوف والتوتر عاشتها أم محمد وهي تنتظر تشخيص الطبيب المختص لحالة ابنها محمد ذي الثلاثة أعوام، علها تجد الإجابة الشافية للسؤال الذي أرهقها.. هل طفلها مصاب بالتوحد أم لديه تأخر في النطق؟ قلق سيطر على حياة أم محمد جراء تصرفات وسلوكيات كانت تصدر من طفلها متشابهة لحد كبير بين الاضطرابين لتعيش داخل دوامة من الأسئلة التي كانت تغزو عقلها في كل دقيقة. وحول كيفية معرفتها بإصابة طفلها باضطراب ما، توضح أم محمد أنها قد لاحظت أن طفلها مختلف عن باقي الأطفال، فقد قارنت تصرفاته مع شقيقته الأصغر منه بسنة ونصف وكم تتفاعل مع محيطها على عكس سلوكه الهادئ، فأدركت أن هنالك أمرا غير صحيح في عملية نمو طفلها. وتبين أنه في عمر السنة ونصف كان يتحدث “بابا، ماما” دون أي كلمات أخرى، ولكن عندما أصبح بعمر السنتين توقف عن قولها واكتفى بالإشارة لما يريد، وبما أن والدته كانت تفهمه وتقدم له ما يريد، شعرت مع الوقت أن هنالك أمرا غير صحيح فكيف سيفهمه الآخرون وتقول “ابني كان يكبر بس ما يتطور مثل باقي الأطفال وأي كلمة حتى كلمة ماما وبابا كان يحكيهم وبطل”. وقبل أن تقدم على أي خطوة قرأت الكثير عن التوحد والتأخر في النطق عند الأطفال لمعرفة تصرفاتهم والأفعال التي يقدمون عليها في عمر3 سنوات إلى جانب مراقبة طفلها لتحدد حالته علها تجد تفسيرا منطقيا أو طريقا يدلها على الوسيلة الأنسب لحل هذه المشكلة. وعند اقترابه من عمر 3 سنوات اتخذت أم محمد قرارا بمنع الهاتف عنه لكي يتفاعل ويلعب مع شقيقته إذ أن اعتقادها في ذلك الوقت أن السبب وراء عدم تحدثه يكمن في قضاء أغلب وقته على الهاتف والتلفاز وتواصله معهم فقط وبعد فترة من هذا القرار لاحظت أن هنالك تحسنا بطيئا وأصبح يريد أن يتفاعل ويحاول أن يتحدث وعندما يصعب عليه ذلك يبدأ بالبكاء. ولكن هذا التحسن والتقدم البسيط لم يزل خوفها الكبير وقلقها على صغيرها من إمكانية المعاناة من التوحد، لكنها عانت من عناد والده في بداية الأمر الذي كان يعتبر تصرفات طفله “طبيعية”. وبعد تطور الحالة، لجأوا لطبيب نفس أطفال وبعد فحوصات وتمارين نفسية وسلوكية عدة، تم تشخيص حالة ابنها على أنها تأخر في النطق كحال العديد من الأطفال. ووجهها الطبيب المختص لاتباع آلية تعامل مختلفة عن قبل، وتبين أم محمد “ساعدني الطبيب على علاج ابني بطريقة سلوكية وأهمها الاندماج والتحدث معه أكثر وعدم إعطائه ما يريد إلا إذ تحدث وطلبها وتعليمه مهارات جديدة ودفعه لمشاركة الآخرين اللعب بطريقة سليمة”. تواصل الأهل معه واندماجه مع أقرانه هو الأهم، لذلك قامت بتسجيله في الحضانة ليتفاعل مع الأطفال ويلعب معهم لغاية “الاندماج”. في البداية كان يستغرب طفلها الأمر والآن يلعب ويتفاعل مع الأطفال وأصبحت تراقب تصرفاته وتركز على التحدث معه والتواصل وممارسة تدريبات النطق معه إلى جانب شراء الألعاب التعليمية التي تساعده على التحدث والتواصل وإعطائه الاهتمام اللازم. وتقول أم محمد “اليوم عمر محمد 3 سنوات ونصف وقد تحسن قليلا منذ بدء معالجته وتعاملنا الصحيح معه وأصبح يتلفظ بعض الكلمات البسيطة ويحاول أن يكوّن جملة ويتحدث ويتواصل مع الأطفال فقد كان يحتاج إلى عناية من قبلنا وجهد متواصل”. حالة الطفل محمد، كحال الكثيرين من الأطفال ممن يعانون تأخرا في النطق وقد يؤدي “إهمال” هذه الحالات لنتائج تؤثر على تطور نموه وتفاعله وحتى دراسته، وفق مختصين، لذا ينبغي الانتباه لعوامل التغيير الملموس في شخصية الطفل وكيفية تعاطيه مع محيطه والسلوكات التي قد تظهر عليه. ووفقاً “لمؤسسة مايو كلينك الطبية”، تعذر الأداء النطقي لدى الأطفال هو اضطراب غير شائع في النطق حيث يواجه الطفل صعوبة في عمل حركات دقيقة أثناء التحدث، ويجد المخ صعوبة في تطوير خطط لحركات النطق وفي هذا الاضطراب، لا تكون عضلات النطق ضعيفة، ولكنها لا تعمل بصورة طبيعية؛ لأن المخ يواجه صعوبة في توجيه أو تنسيق الحركات. مستشار أول طب نفسي ودكتوراه سريرية طب نفسي أطفال وأحداث الدكتور أمجد جميعان يبين لـ “الغد” أنه في مرحلة معينة يشعر الأهل بالخوف والارتباك حول تأخر أطفالهم في النطق معتقدين أنه قد يعاني من التوحد بينما هنالك اضطرابات أخرى قد يعاني منها الأطفال، ولكن قلة المعرفة لديهم بالصفات والدلائل التي تفرق بين الاضطرابات يقودهم لهذا الاستنتاج، مشيرا الى أن أهم صفة للتفريق ما بين التأخر في النطق والتوحد هي “التواصل الاجتماعي”. وذلك يعني أن الطفل إذا خاطبته وأجاب ولعبت معه وضحك فهو يتواصل معك، وهذا يحدد أنه لا يعاني من “التوحد” لأن الأساس والعلامة الأكثر وضوحا له هو “خلل في التواصل الاجتماعي” والطفل قد يعاني من مشكلة في النطق، ولكنه يلتفت عند مناداة اسمه ويضحك ويلعب مع الأطفال ويتفاعل بالشكل الطبيعي وهذا يخرجه من دائرة مرض التوحد، مؤكدا بذلك أن التفاعل واللعب والتواصل البصري والابتسامة والإشارة والتلويح بيده للوداع هي مرحلة متقدمة تتناقض مع التوحد. ويشير جميعان أنه قد يتشابه كل من تأخر النطق والتوحد بشكل كبير، ما يصعب عملية تفريق وتشخيص كل من الحالتين، وهناك طرق مختلفة لعلاج التوحد وتأخر النطق، إذ يتم التعامل مع مرض التوحد باستخدام العلاج السلوكي والمعرفي والدعم الأسري والمعنوي. أما بالنسبة لتأخر النطق ويعد نوعا من اضطراب التواصل فبعد التشخيص الأولي للمريض، يتم إجراء اختبار السمع للتأكد من أن فقدان السمع أو الصمم ليس سببًا أساسيا لتأخر النطق، وتقويم النطق هو أكثر العلاجات شيوعا لتأخر النطق، وقد يستفيد الأطفال من العلاجات المهنية والبدنية أيضا، وفق جميعان. ومن جهة أخرى، الطفل المصاب بالتوحد إذ غادر والده المنزل لا يهتم لوجوده من عدمه كما لا يكترث لوجود الناس من حوله وقد يكترث لوجود والدته، ولكن عادة لا يهتم بمن حوله ويهتم بأن يلعب بالأدوات التي يراها، وليس هنالك أي أمر يثير اهتمامه إلا أشياء بسيطة. ويعد تأخر أو عسر النطق من المشاكل الأكثر شيوعا بين الأطفال، ووفقا لبعض الإحصائيات، يعاني 15 % من الأطفال في عمر السنتين من تأخر في النطق، ويتمكن 70 % فقط من المصابين من تخطي هذه المشاكل عند بلوغ الأربع سنوات ويعد مشكلة شائعة تؤثر في 3 -10 % من الأطفال كما أنها تشيع بمقدار 3 -4 أضعاف عند الذكور مقارنة بالإناث. ويشير جميعان إلى أن التأخر في النطق يبدأ من عمر سنة، فعدم قول الطفل أبسط الكلمات أو إذا أصبح عمره 16 شهرا ولم يتكلم هنا يجب أن يدرك الأهل أن لديه مشكلة في النطق، وإذا نطق أقل من عشر كلمات وهو في عمر 18-20 شهرا أو أقل من خمسين كلمة في عمر 21-30 شهرا يكون لديه تأخر بمراحل التطور. وعلاج التأخر في النطق أمر سهل بحسب جميعان، بداية بأخذ الطفل إلى معالج نطق ليبدأ معه في الأساسيات وتقويم النطق بينما إذا كان الطفل في عمر صغير يعلم المعالج الأهل على القيام بأمور معينة ويرشدهم لحث طفلهم على التكلم من خلال سلوكيات تعليمية. ومن جهة أخرى، فإنه وللأسف الكثير من الأهالي يعتقدون أن أطفالهم لديهم مشكلة في النطق بينما في حقيقة الأمر يعانون من التوحد وفق جميعان، إذ يعتمدون على سياسة التشخيص التقليدي دون اللجوء إلى مختص، منوها إلى ضرورة التقييم من قبل طبيب وليس من قبل معالج نطق وكما يلاحظ جميعان أن الأهل تكون خياراتهم بسماع كلمة تأخر في النطق وفرط في الحركة رافضين سماعه كلمة توحد خوفا منها. بقاء الطفل على الهاتف ليس له تأثير كبير، بحسب جميعان، وفي حال تم تشخيص الطفل بتأخر في النطق، فالأفضل تحديد وقت للمشاهدة وحثه للتفاعل مع أقرانه والتكلم معه في البيت والأهم الاندماج مع محيطه. ويذكر جميعان أنه إذا تأخر الطفل في النطق يمكن يشفى مع الوقت، ولكن الخوف يكمن عندما يرافق التأخر في النطق طيف من أطياف التوحد أو تدن في القدرات الذكائية، وهنا يتأخر علاجه، لهذا السبب ينصح بالتشخيص المبكر لتفادي تفاقم الاضطراب. ويختتم جميعان بتوضيح كيفية التميز بين التوحد وصعوبة النطق والإعاقة العادية وعن صعوبات السمع هو “التواصل الاجتماعي والبصري” وأن الطفل إذ تفاعل وتجاوب مع الآخرين يبعده عن احتمالية المرض، ومن جهة أخرى هنالك احتمالية أن يكون التأخر في النطق وراثة في عائلة الطفل. واتفق باحثون على أن الأطفال المصابين بتأخر النطق لديهم تاريخ عائلي في هذه المشكلة، ولا سيما بالنسبة للذكور، وأن وزن هؤلاء الأطفال عند الولادة كان أقل من 85 ٪ من الوزن الطبيعي، أو كانت أسابيع الحمل أقل من 37 أسبوعا ووجد الخبراء أن نحو 15-25 ٪ من الأطفال الصغار يكون لديهم شكل من أشكال اضطراب التواصل. ومن الجانب التربوي يبين الدكتور عايش نوايسة أنه عند ملاحظة الأهل لأي اختلال أو اختلاف عند طفلهم عليهم التوجه لطبيب مختص ليحدد حالته، حتى يستطيعوا أن يتعاملوا معه بالطريقة السليمة والصحيحة وليس التعامل على أساس أن لديهم المعرفة والخبرة وبذلك هم قادرون على معرفة وتحديد مشكلة الطفل. ويوضح نوايسة أن الأخصائي يشخص حالته ويحددها وفيما بعد الأهل قادرون من خلال عمليات التواصل بينهم توجيه الطفل وتصحيح سلوكه وبذلك يستطيع أن يتواصل مع غيره في المستقبل، مؤكدا أننا اليوم في عالم متقدم وأن الخطوة الاساسية هي التعامل مع الأمر بمنحى علمي وسلوكي وذلك يكون بعرضه على مختص ليحدد حالته وكيفية التعامل بطريقة علمية وما هي التصرفات التي يجب اتباعها لمعالجته. ويتابع أن اكتشاف المشكلة من الصغر يعني القدرة على التعاطي مع الحلول والبدء بالإجراءات العلاجية وتقلص مدة العلاج، بينما الأهل اذا أخفوا الحالة فلن يستطيع أن يتعلم أو يندمج مع أقرانه. ويشير نوايسة أن التأخر في معالجة الطفل يقود لتراجعه الدراسي وشعوره بأنه مختلف عن أقرانه، بالإضافة إلى صعوبة التعامل معه عند المعلمين فيما يخص التعلم الدامج فهو يحتاج إلى طريقة خاصة وهذا له انعكاساته النفسية والنمائية على الأطفال. كما توصل باحثون من جامعة إنديانا الأميركية إلى أن تأخر الكلام عند الأطفال قد يكون مؤشرا إلى مشاكل سلوكية، يحتمل أن يعاني منها الأطفال في المستقبل. ونصح الأطباء الآباء بضرورة طلب المساعدة الطبية، إذا تأخّر الطفل عن الكلام في عمر 3 أعوام ونصف العام، إذ قد يكون الضعف في المهارات اللغوية نوعا من الإعاقة أو المشاكل في الانتباه والتركيز أو فرط نشاط حركي. ويعتقد القائمون على الدراسة أنّ المهارات اللغوية الضعيفة تعوق قدرة الفرد على التحكم في سلوكه، وبالتالي قد تؤدي إلى مشاكل سلوكيّة كفرط النشاط وقلّة الانتباه في المستقبل. ووفق نوايسة، الأهل إذا شعروا أن الطفل لديه مشكلة في النطق، ينبغي التعامل معه بطريقة علمية وسلوكية بحيث ينعكس عليه بشكل يحسن أداءه وذلك بعرضه على مختص ومساعدته تربويا، مبينا أن العلاج مرتبط بالأهل بشكل كبير حتى المعلمين غير قادرين على التعامل معه من دون تعاون الأهل من البداية من خلال الكشف وإخضاعه للاختبارات لتشخيص حالته وعلاجها. اقرأ أيضاً:  اضافة اعلان