متعافو كورونا.. هل يتمتعون بمناعة مدى الحياة

منى أبوحمور

عمان- منذ بدء انتشار كورونا، ومئات الدراسات العالمية تنتشر عبر المواقع الإخبارية ونشرات الأخبار ومنصات التواصل الاجتماعي. هذه الأبحاث والتجارب التي تنشر تباعا؛ تؤثر على عقل المتلقي، خصوصا مع عدم الالمام الكامل بفيروس غير منذ انتشاره مجرى الحياة.اضافة اعلان
بعض هذه الأبحاث استطاعت أن تضاعف من حيرة الأفراد وتزيد من الخوف والقلق، سواء بتصديقها، أو عدم الأخذ بها لتناقضها مع غيرها، فمنها ما يثير الذعر في القلوب، ومنها ما يعطي الأمل بإمكانية تخطي آثار هذا المرض والتمتع بمناعة طويلة الأمد، وعدم تأثير الفيروس على حياة الشخص بالمستقبل القريب أو البعيد.
ومع إصابة ما يقارب 174 ‬مليون نسمة بفيروس كورونا المستجد على مستوى العالم، ووصول إجمالي عدد الوفيات الناتجة عنه إلى ما يقارب الـ 4 ملايين؛ فإن الخوف من هذا المرض ما يزال يسيطر على العقول، وبالتالي يجعل البحث وراء الدراسات ملجأ.
وأثارت دراسة أميركية نشرت مؤخرا جدلا واسعا بعد أن أكدت نتائجها أن متعافي كورونا يتمتعون بمناعة دائمة ضد الفيروس. الدراسة التي قامت بها كلية الطب بجامعة واشنطن في سانت لويس بالولايات المتحدة الأميركية، ونشرت في موقع صحيفة "بيلد" الألمانية بينت أن مصابي كورونا الذين تظهر عليهم أعراض طفيفة عند الإصابة قد يتمتعون بمناعة دائمة ضد الفيروس، مبررين ذلك ببقاء الأجسام المضادة في الجسم، رغم انخفاض عددها بعد الإصابة.
منحت هذه الدراسة الأمل للكثير من متعافي كورونا الذين لم تكن إصابتهم بالفيروس صعبة، ولم يعانوا أعراضا قوية، بأن يتمتعوا بحصانة ضد المرض مدى الحياة.
الباحثون في الدورية العلمية "Nature" أشاروا إلى أن الذين ظهرت عليهم أعراض طفيفة فقط، عند إصابتهم بفيروس كورونا الفتاك، لاتزال لديهم أجسام مضادة في دمائهم بعد عام تقريباً من مرضهم، علماً أن عدد الأجسام المضادة تنخفض بسرعة بعد الإصابة، كما هو معروف من الدراسات السابقة.
ومع ذلك، فإن الأجسام المضادة لم تختف تماماً، ما قد يؤدي إلى مناعة مدى الحياة، حسب موقع "برلينر تسايتونغ" الألماني.
من ناحية أخرى لاحظ الباحثون أن الأشخاص الذين مروا بمسار حاد بعد الإصابة بفيروس كورونا، قد يصبحون أقل مناعة بسبب العدد الكبير من الالتهابات التي تعرضوا لها لكن في الوقت نفسه، يكون لديهم عدد كبير من الفيروسات في أجسامهم، وهذا ما قد يؤدي إلى رد فعل جيد من جهاز المناعة.
غير أن طبيب المجتمع والصحة العامة وبيئة ووبائيات الدكتور عبد الرحمن المعاني يذهب إلى أن جميع الدراسات العلمية التي نشرت حول فيروس كورونا جديدة، قد تحمل الدقة وأحيانا تبتعد عن الحقيقية، وهذا الأمر ينطبق على جميع دراسات كوفيد 19.
وتتولد مناعة الجسم بحسب المعاني بطريقين؛ الأولى طبيعية من خلال الإصابة بفيروس كورونا وأخرى صناعية من خلال أخذ اللقاح، لافتا إلى أن الدراسات العلمية الحديثة أجمعت على أن المناعة الطبيعية الناتجة عن الإصابة بفيروس كورونا تمتد لمدة ثمانية شهور وفي دراسات أخرى لمدة عامين على أبعد تقدير، لافتا إلى أن ما ورد في الدراسة الأميركية غير دقيق ولا يمكن إثباته خصوصا أنه لم يمض على ظهور فيروس كورونا أكثر من عام ونصف العام بعد.
ونقطة الخلاف في هذه الدراسة؛ هل تقي هذه المناعة من الإصابة بفيروس كورونا وتغني عن أخذ اللقاحات؟ إذ لا يمكن ترك حياة الناس رهينة للدراسة، فما مازالت جميعها قيد التجربة ومن الممكن ظهور دراسة بعد فترة من الوقت تنفي كل ما جاء في هذه الدراسة.
ويتابع المعاني؛ المنطق العلمي والوبائي يؤكد ضرورة الاستمرار في عملية التطعيم وتسريع وتيرته، وصولا إلى المناعة المجتمعية وعدم المجازفة بصحة الجميع، مشيرا إلى أن ارتفاع أرقام الحاصلين على المطعوم والإقبال عليه محليا وعالميا، يؤكد زيادة وعي الناس بأهميته للتخلص من فيروس كورونا.
ولم يتفق أيضا، اختصاصي الأمراض التنفّسية والعناية الحثيثة وأمراض النوم خبير الأوبئة الدكتور محمد الطراونة مع ماورد في الدراسة، لافتا إلى أن الإصابة الأولى بفيروس كورونا لا تعطي مناعة طويلة الأمد ولا تمنع الإصابة مرة ثانية، ولابد من أخذ اللقاح للوقاية.
ويشير الطراونة إلى أن الظهور الدوري لطفرات متعاقبة من فيروس الكورونا Sars-CoV- يُضعضع ديمومة المناعة الجماعية المُكتسبة بفضل لقاحات الكورونا الحالية، مؤكدا ذلك، التجربة البسيطة التي قام بها Rino Rappuoli، الدكتور الإيطالي في علم البيولوجيا ومدير قسم اللقاحات في مختبر GSK.
ويؤكد الطراونة أن الخروج من الأزمة الصحّية ومخاطر التحوّرات الدائمة لفيروس الكورونا المقاومة للقاحات، يكون من خلال استعمال لقاحات تحصِّن ضدّ كل أجزاء الفيروس لأنّها تحتوي على فيروس كامل غير نشط يساعد جهاز المناعة على تكوين آليات دفاعية تجاه التركيبة الكاملة للفيروس وليس تجاه بروتين الشوكة فحسب. هذه الأنواع من اللقاحات هي ذات تكلفة خجولة وآمنة وقامت بتطويرها الصين على غرار لقاح CoronaVac من تصنيع الشركة الصينية SinoVac ولقاح Corona من تصنيع الشركة الصينية Sinopharm.
من جهة أخرى يؤكد الطراونة أهمية الإسراع في تطوير "اللقاح العالمي-الشامل" Universal coronavirus vaccine، إذ تعمل حاليا عشرات المختبرات في الولايات المتحدة الأميركية وكندا وبلجيكا على هذا اللقاح العالمي الموحّد الذي قد يكون مُركَّبا وفق طرحين مختلفين: إما أن يكون مصنوعا من جزء ثابت لا يتحوّر من أجزاء فيروس كورونا، وإمّا أن يكون حاويا على معظم البروتينات التي يضمّها الفيروس (يكون عددها العام 25 بروتينا).
وفي مؤتمر صحافي عقده الناطق بلسان الوكالة الأوروبية للأدوية نهاية الأسبوع الماضي، قال: "استناداً إلى البيانات المتاحة حالياً، لا حاجة للجرعة الثالثة، لأن الاستجابة المناعية التي تولّدها اللقاحات تكفي ضد كل الطفرات المعروفة لكوفيد". وأكد خبراء خلال المؤتمر أن جهاز المناعة، الذي هو من أشدّ الأجهزة تعقيداً وتطوراً في الجسم البشري، يدافع ضد الفيروسات على مستويات عدة، والمضادات ليست سوى واحد منها، فإذا انخفضت هذه المضادات، لا يعني أن الجسم يفقد قدرته على الدفاع، لأن الخلايا المناعية تعيد إنتاج المضادات إذا حاول الفيروس الدخول إليها، حتى بعد سنوات من الإصابة الأولى. كما لفت الخبراء إلى أن الجسم عادة يفقد المضادات بعد سنوات من الإصابة بفيروس التهاب الكبد، لكن الذاكرة الخليوية تحافظ على قدرتها كاملة لإنتاجها عند الحاجة. وقد بيّنت الدراسات أن الأشخاص الذين أصيبوا بفيروس "سارس" العام 2002 ما زالوا قادرين على توليد مضادات فعّالة ضد الفيروس.
وكانت الدراسة العالمية التي قامت بها كلية الطب بجامعة واشنطن في سانت لويس بالولايات المتحدة الأميركية؛ اعتمدت على عينات من دم ونخاع عظام 77 شخصاً أصيبوا بعدوى كورونا خفيفة. وبعد أربعة أسابيع من الإصابة، تم أخذ الدم منهم، وتم تكرار العملية بعد ذلك كل ثلاثة أشهر. كما تم أخذ نخاع عظام 18 مشاركاً بعد سبعة إلى ثمانية أشهر من الإصابة، وخمسة منهم أخذ نخاعهم العظمي مرة أخرى بعد حوالي عام من الإصابة. وقارن العلماء عينات هؤلاء المرضى بعينات لأحد عشر شخصاً لم يصابوا أبداً. والنتيجة كانت أن عدد الأجسام المضادة لفيروس كورونا انخفض في أجسام المتعافين من كورونا، إلا أنها ظلت في أجسامهم ولو بعد أحد عشر شهراً.