متى يكون الصمت طوق نجاة للإنسان؟

1709900976067367000
الصمت

في ظل تعدد وجهات النظر واختلاف المواقف وفوضى الأحاديث، يبقى الصمت طوق النجاة والاختيار الأفضل لكل من يبحث عن الهدوء والتأمل.

 

البعض يرى في الصمت الحزن والانطواء وربما الخوف أيضا، إلا أن هناك من يعتبره حاجة ملحة ونقطة التقاء مع الذات وفرصة للتوقف عن خوض نقاشات لا روح فيها، كما أن الصمت يكون ضرورة عندما لا نجد من يفهمنا أو يتقبل رأينا بحيادية دون أن يصادر حقنا في التعبير والكلام.

اضافة اعلان
"كن أنت في كلامك وكن أيضا أنت في صمتك"، هذا هو المبدأ الذي تسير عليه مي عبدالله في علاقاتها كافة، فهي ليست مضطرة لأن تتكلم في مواضيع لا تشبهها لتكون اجتماعية لافتة للنظر. هي ترفض أن تتحدث لتنفي عن نفسها بعض الاتهامات التي التصقت بها لمجرد أنها بعيدة تماما عن الثرثرة الفارغة. 


وتبين أن من المحرج أن يلبس الإنسان ثوبا لا يناسبه فقط ليجاري الآخرين وحتى لا يكون منبوذا، فالأغلبية يميلون للشخصيات المتحدثة والتي تستطيع الخوض في كل المواضيع، وهذا ما تنفر منه مي لكونها ترى أن من يتحدث كثيرا يخطئ كثيرا وأن التحدث في كل المواضيع ليس دليلا على الفهم. 


ومن وجهة نظرها، أن تكون محبوبا لا علاقة له بالصمت أو الكلام، بل بطيبة المعدن ونظافة القلب.


بينما هدى عادل (45 عاما)، تجد أن الصمت مساحة للتفكير واستعادة التوازن وقراءة المواقف بوضوح، إذ إنه يساعد في فهم الأمور بعمق ويسمح برؤيتها على حقيقتها، مشيرة إلى أن الشخص الصامت ليس بالضرورة أن يكون انطوائيا أو حزينا، هو صامت لأنه لا يريد أن يقحم نفسه في كل شيء، إضافة إلى أنه يقدر قيمة الكلام، لذلك لا يتحدث في ما لا يخصه ليبقى محترما في نظر نفسه وأيضا في نظر الآخرين. 


وتبين أن على الشخص أن يوازن بين الإيجابيات والسلبيات في كل موقف يعيشه، وبناء على ذلك يكون القرار بالصمت أو الكلام، لكن بشرط ألا يعتاد الصمت.


الصمت، بحسب الاختصاصي النفسي الدكتور موسى مطارنة، له وجوه متعددة، منه الصمت المرضي والصمت من أجل التفكير والتقييم والصمت بقصد الهدوء واكتشاف الذات وقراءة المواقف بحيثياتها لفهم الصورة كاملة. ورغم ما يعنيه الصمت حول العلاقات الصحية وكونه مؤشرا جيدا على التفاهم في كثير من الأحيان، إلا أن الشخص الصامت قد يساء فهمه وقد يتهم بالغموض والانطوائية فقط لأنه قرر أن يلجأ إلى الصمت إما للعزلة والتأمل أو لأن الأحاديث المطروحة لا تشبهه بالعموم. 


ويبين مطارنة أن الصمت محطة يستريح فيها الشخص من نقاشات عقيمة وأفكار لا تناسب مستوى تفكيره، وهنا يجب أن يحتفظ الإنسان بحقيقته بعيدا عن الزيف والتلون من أجل إرضاء الآخر وتلك الاتهامات التي تجرده من كونه إنسانا اجتماعيا، والإنسان عندما يعرف متى يصمت وأيضا متى يتحدث حتما ينجو ويستطيع غربلة المواقف وتفهم وجهات النظر المختلفة، وبالتالي يجد من يتفاهم معه ضمن حدود الحكمة والاحترام والتوازن.


وتبين خبيرة علم الاجتماع فاديا إبراهيم، أن الشخص الصامت بصورة ملحوظة هو شخص أكثر تركيزا على الإنصات بدلا من التحدث، مما يعطيه ميزة خاصة تتمثل في قراءة أفكار الأشخاص المحيطين به بعد فهم طرق تفكيرهم وربما تحديد سماتهم، كذلك إمكانية إعطاء الرأي الصائب في الوقت المناسب بعد تفكير عميق. 


وتمتاز الشخصية الصامتة بعدة سلوكيات لا تشبهها فيها الشخصيات الأخرى، أهمها أنها حين تسأل عن أمر ما تجيب بكلام مختصر، وهو ما يعرف بالجواب المغلق، فهو لا يفضل الإسهاب في الإجابة، وإن تطلب الأمر توضحياً أكثر، فهو يوضح بالقدر الذي يعتقد أن الكلام أصبح واضحاً، بحسب إبراهيم.


ويتصف صاحب هذه الشخصية بكونه مستمعا جيدا لمن يتحدث معه، كذلك يحفظ الأسرار بشكل جيد، كما أنه يكون لنفسه رهبة واحترام ووقار في نفوس الآخرين سواء أكانوا أعداء أم غير ذلك، لكونه لا يفصح عما بداخله ولا يكون كتاباً مفتوحاً يسهل قراءته، فكثرة الكلام غالباً ما تكشف عن الجوانب السيئة أو غير المرغوبة من الشخصية أو عن الآراء غير المرحب بها، والصمت يجعل الآخرين يبنون انطباعاً جيداً.


ووفق إبراهيم، كل هذه الأمور هي مردودات إيجابية لأصحاب الشخصية الصامتة. 
‏كذلك، تقول إبراهيم إن البعض يرى أن الشخصية الصامتة لديها بعض العيوب أو السلبيات التي تعيق تواصلها مع الآخرين وتترك انطباعاً سلبياً لديهم، ويقال الشخص الصامت هو شخص تعلم الصمت لأنه لا يريد أن ينفتح على الآخرين، ربما أصابته جروح من التحدث مع الآخرين، أو عانى من التنمر والإساءة في مرحلة ما من حياته جعلته أقل ميلاً لفتح خطوط التواصل، أو أنه يعاني من رهاب الانفصال عن الآخرين، ما يجعله يخاف من التعبير عن مشاعره وآرائه خوفاً من أن يهجره من حوله. 


وفي بعض الحالات، قد تكون دوافع الشخصية الصامتة الخجل أو الفوبيا المجتمعية، حيث يدخل الشخص في بيئة لا تشبه بيئته التي نشأ بها، أو يمتلك ماضيا لا يرغب بمشاركته مع الناس الذين عرفوه مؤخراً، فيلجأ للصمت كنوع من إخفاء طباعه وأسلوب حياته والبيئة التي ينحدر منها. في كل الأحوال، تكشف صفات الشخص الصامت عن إيجابيات متعددة في بعض الأحيان، وعن سلبيات في أحيان أخرى، ما يتطلب التفرقة بين صمت ناتج عن القوة والحكمة، أو ناتج عن الضعف ويحتاج للتقويم والمساندة. 


وتبين إبراهيم، أن من الطرق التي يمكن تبنيها عند التعامل مع الشخصية الصامتة، تجنب الضغط عليها كي تتحدث عن أمور لا ترغب بالتطرق إليها، والسماح للشخصية الصامتة، في بيئة العمل خصوصا، بالعمل وحدها إن فضلت ذلك، وعدم الإصرار على إشراكها رغما عنها في العمل التعاوني بين المجموعات. 


إلى ذلك، منح الشخصية الصامتة الوقت الكافي للتفكير، وعدم الضغط عليها بالأسئلة المتتابعة، واحترام طبيعتها، وعدم اعتبار ردود أفعالها وطريقة تجاوبها من قبيل الإهانة المقصودة.

 

اقرأ أيضاً: 

"الصمت".. حينما يكون فرصة للعلاج ومغادرة دوامة الضغوط النفسية