محمد شلباية يخط "جورج أنطونيوس.. الطموح التواق"

غلاف الكتاب- (من المصدر)
غلاف الكتاب- (من المصدر)

عزيزة علي

عمان - صدر، بدعم من وزارة الثقافة، كتاب بعنوان "جورج أنطونيوس.. الطموح التواق- ما بين رومانسيات الخيال والغموض الاستعماري وجدل القومية المتدفق"، للدكتور محمد محمود شلباية؛ حيث أهدى المؤلف الكتاب إلى "قرية الطين الكبيرة العباسية قريتي".اضافة اعلان
يتحدث الكتاب عن كتاب "يقظة العرب" للمؤرخ جورج أنطونيوس، الذي صدر في العام 1938، وهو يعد كتابا تأسيسيا لتاريخ القومية العربية الحديثة؛ حيث يسلط شلباية الضوء على مؤلف هذا الكتاب، وأنطونيوس هو كاتب وأديب وسياسي ولد في دير القمر، لبنان، وتخرج في جامعة كامبردج.
الكتاب جاء في سبعة فصول تتناول سيرة جورج أنطونيوس الطفولة المبكرة والشباب وإنجازات الحياة والجول الزمني، ومطاردة وتشريح جورج أنطونيوس، وتتحدث فصول الكتاب عن أزمنة صاخبة، عاشها أنطونيوس؛ حيث حاور بلفور ويبل ومالكوم ماكدونالد، الى جانب الخوض في عوالم غامضة من حياة أنطونيوس: رومانسيات الخيال والغموض الاستعمارية، كذلك يتحدث عن مهمة أنطونيوس الدفاع والفرصة، وعن كتابه "يقظة العرب"، نقد من الداخل، ويتحدث عن الولايات المتحدة الأميركية ترسانة الديمقراطية العظيمة الجديدة.
جاء في كلمة على غلاف الكتاب "لسان حال هؤلاء المؤرخين: أنطونيوس شاهد حي وشاهد لا أخلاقي يدلي بأنصاف حقائق وأكاذيب خالصة. وصانع أساطير محترف. ها هم يقفون أمام أنطونيوس ليطلق كل واحد منهم شياطينه، والتقاء العدو في ساحة القتال يحسم مبارزة الضحية، عدد من الاتهامات المفزعة والاقتباسات والشهادات الشيقة والمثيرة ضد أنطونيوس والتي يجب علينا ملاحظتها وتحليلها لهؤلاء المقتحمين على أنطونيوس وكتابه "يقظة العرب".
فالمحاولات نصف المخبوزة في نقاش محتدم لمطاردة تلك البدع التي جاء بها أنطونيوس لن يتذوقها أحد. وفي المحصلة، فإن النقد الموجه له ولكتابه سيصبح لا أساس له على الإطلاق. ويستمر لسان الحال في القول: جورج أنطونيوس المثير للشفقة. من خاطب العالم قائلا: "سأسأل الحقيقة من ركام الدعاوى المزيفة وأمعن النظر عبر القيوم وأطل بوجهي وأقذف بنفسي من علي لأثبت أني أنا المؤرخ لا انحياز. وأكشف الحجب عن إرهاصات تتعلق بمستقبلنا العروبي. ولهذا الإدماج الذي أسعى إليه بين الحياة الأخلاقية لأنطونيوس وبين دوره السياسي والقومي أهمية استثنائية في قراءة أنطونيوس وطموحه وفي دراسة سعيه الحميم إلى تحقيق ذرى الذات. إن الغاية العينية للحياة الأخلاقية والقيمة المطلق للشخصية الإنسانية هي المبدأ الأساسي الأسمى، الذي يتلو منه شرط المساواة بين أبناء الجنس البشري، فلا مبرر للإنسان لحث مسيرته نحو الخير بأشكاله كافة، بأيديولوجيات وأفكار عنصرية قد تنال من كرامة وحقوق الآخرين. مع الأخذ بعين الاعتبار عدم قبول ما يسمى السعي المتنزه إلى الحقيقة، فقد يكون ما كتبه أنطونيوس تخيل خلاق لعالم متخيل".
والنظام الإنساني المعاصر لأنطونيوس كان ساحة تصارعت فيها القوى التي عملت على الإجلال بذلك النظام الإنساني، وقوة عملت على بعث الانسجام، ويقف أنطونيوس -بعدما فقد الثقة في رمزه السياسي- مع الأخيرة لأنها هي التي تضمن ذلك التطور الخلاق، ويكون من خلالها التخلص من أطماع البشر وشرهم، فالعالم الذي عاشه أنطونيوس مليء بالألم والخطيئة، فهل جاءت سيرة أنطونيوس في سياق المراحل التي يعبر فيها الإنسان في سيره نحو مصيره بدءا ببناء النفس، ومرورا بمخاطرها، وانتهاء بطمأنينتها، هل هذه هي المراحل التي مر بها مصير أنطونيوس.
في مقدمته للكتاب، يقول شلباية "إن أنطونيوس أيقظ من خلال كتابه "يقظة العرب"، لدى العديد من المؤرخين والسياسيين والمتخصصين بشؤون الشرق الأوسط والعالم العربي حالة من الإثارة الهائلة. وما يزال حاضرا بقوة بينهم". لافتا إلى أنه لا يجب قراءة كتابه بمعزل عن التحليلات التاريخية المعاصرة، فأنطونيوس الغائب اشتبك مع الحاضر في مناقشات ومعارك مثيرة مع هؤلاء المؤرخين. فقد كانت بلاغة أنطونيوس المغرية أحد الأسباب التي أدت إلى هجوم الغربيين على يقظته، بسبب تأثيره على فكر القارئ، كما أن محادثته جذبت انتباها وإعجابا كبيرا في دوائر سياسية معينة.
ويرى المؤلف أن الكثير من الشخصيات التاريخية في العالم العربي قد نالت الاهتمام الكبير والمستمر وتمت دراسة إرثها الفكري بشكل مكثف، ولذلك لابد من تقرير سنة ممنهجة لبعث فهم علمي له تأثير مؤكد ومعتبر للثقافة والمجتمع في الشرق الأوسط، من خلال قراءة تفسير وبناء سير تكوينية وأفكار تم إغفالها على الصعيدين الفكري والأكاديمي لنخب مؤثرة بقوة وفعالية أسهمت إلى حد كبير في تشكيل مجتمع وثقافة الشرق الأوسط الحديث.
ويطرح المؤلف سؤالا "هل التحريفات التي يطلقها هؤلاء ويتهمون أنطونيوس بها منطقية في مواجهة الأدلة المتراكمة على أكاذيبهم وجدل الشر في سياق الصراع العربي-الإسرائيلي؟".
ويرى شلباية أن أنطونيوس عرض القضية العربية بعيدا عن التطرف؛ حيث إن طروحاته في الرد جاءت قائمة على سنة معتدلة. نراه اليوم يمشي مثقلا بحججه يحمل الكتاب الذي قاده عبر عوالم الاستعمار الخيالية الغامضة؛ حيث صار كتابه بمثابة نصب تذكاري له يحاول المقتحمون الجدد تدنيسه وإسقاطه. فهل كتاب "يقظة العرب"، من تلك الكتب المضللة بالنسبة لبعض المؤرخين الغربيين والأميركيين واليهود؟
ويقول المؤلف إن ما يلفت الانتباه خلو الإنتاج المعرفي العربي وتجاهل المؤرخين الكتاب العرب وحتى أساطير البلاغة السياسية لقراءة كتاب أنطونيوس "يقظة العرب"، في الوقت نفسه نرى اهتماما ملحوظا لدى النخب من المؤرخين والسياسيين والباحثين والدوائر الثقافية والسياسية والبريطانية والأميركية واليهودية بإعادة كتابة "سيرة أنطونيوس" التكوينية لينطلقوا منها في إعادة قراءة كتابه "يقظة العرب"، في سياق العديد من الاتجاهات السياسية والثقافية. ومن خلال مناهج وأدوات ومواد جديدة أتاحت مكتبات ومؤسسات ومعاهد وأرشيفات الدول التي تحتضن وثائق ورسائل وأوراق أنطونيوس؛ حيث صار ظاهرة معاصرة رحلة لا تنتهي، وما تزال عمليات إعادة التقييم لمعاصرنا أنطونيوس مستمرة.