مسلسل "البحث عن علا": تمجيد التخبط العاطفي

رشا سلامة* لم تكن مُشاهَدتي موفقة البتة لمسلسل “البحث عن علا”، للممثلة التونسية هند صبري؛ ليس لأن إعجابي بها سابقاً تبدد حين اعتَرَفَت باستخدام نظام زين العابدين بن علي لها لـ”تهدئة” الربيع العربي في بواكيره، بل لأن المسلسل يعصف بما تبقى من قدسية مؤسسة الزواج والإنجاب والعائلة، المتهالكة أصلاً في الأعوام الأخيرة. تصاب هند صبري، أو علا، في المسلسل الذي يبث عبر “نتفلكس”، بصدمة حين يصارحها زوجها برغبته بالانفصال عنها، من دون مبرر واضح، سوى أنه أعاد النظر في حياته بعد أن أصيب بنوبة قلبية وهو لمّا يزل في الخامسة والأربعين من العمر. يرحل عن زوجته من دون إبداء أسباب مقنعة، ويكون عليها التعامل مع العالم من جديد بمعزل عنه، اجتماعياً ووظيفياً ومالياً وفي ما يتعلق بتربية الأطفال. حتى هنا، كان بالوسع أن يكون الطرح نسوياً هادفاً ذا معنى، غير أن العمل قدّم رسائل، بلغة مبالَغ في مباشرتها، حول أن “العيب ليس في الشريك بل في مؤسسة الزواج نفسها”. طلاق المرأة العربية ينطوي في العادة على كوارث اجتماعية منها تنميط المطلقات، وخوف أقرب النساء منهن، ومآسي معارك حضانة الأطفال المتنازَع عليهم وما يرتبط بالمحاكم من تفاصيل نفقة وغيرها، ناهيكَ عن الشروخ النفسية والعاطفية العميقة ما يُقال منها وما يخفى. الأمر لم يكن كذلك في “البحث عن علا”، بل كان أقرب إلى نزلة برد عابرة، مع حيرة طويلة حول كيف سيختار المنفصل تصنيف حالته الاجتماعية عبر تطبيق “فيسبوك”، مع تلميع أرعن لظاهرة حفلات الطلاق على وقع الموسيقا الصاخبة والرقص الهستيري. لم يكن مطلوباً أن يعرض المسلسل ظاهرة الطلاق بنواحٍ وعويل أو قفز من الطابق العاشر، لكن، وأخال الأمر إنسانياً في المقام الأول، فإنه من غير الموفق الاحتفاء بانهيار أي علاقة إنسانية، لا سيما إن كانت عاطفية، كما أنه من المستهجَن تمجيد التخبط العاطفي لأي مرء، رجلاً كان أو امرأة، بل أظن أن النزعة السليمة تتعامل مع هذا الضياع والتخبّط كنوعٍ من رداءة الحظ وسوء الطالع الذي يستدعي على الأقل الأسف لما يحدث، لا سيما إن تسبّب، كما حدث في المسلسل، بنوبة قلبية ثانية في أقل من سنة أو إن انتهى المطاف بالأطفال نهباً في أيدي العابثين فيما المنفصلان يتباريان في معارك تجربة الـ”تاتو” وقيادة الدراجات النارية وتجربة بدلات الرقص الشرقي والتعرّف على “المؤثرين” المراهقين عبر وسائل التواصل الاجتماعي وتجربة رحلات السفاري، كما لو كانت منتهى المُنى! أظن أن آخر ما يحتاجه الإنسان مؤخراً، في عالم رخو تحت قدميه، لا ثوابت فيه ولا أُطر واضحة، أن يستمع لأي طروحات تسفه مؤسسة الزواج، وتستسهل الطلاق وتزكّيه، وتسخر من الحب وتتعامل مع العواطف الإنسانية كما لو كانت نكتة سمجة، وتستعيذ من الإنجاب وتتذمر من تبعاته علانية، وتجعل من فكرة التفاني لأجل الشريك أو العائلة “مسخرة” الموسم، وتُنمّط المرأة المطلقة على لسان أقرب صديقة تقول “طبعاً سيرغب رجل أعمال شهير بالتعرف عليكِ؛ ذلك أنكِ جميلة ومطلقة ولديكِ أبناء، وبالتالي فأنتِ لا تحتاجين سوى للمتعة”، ورجل الأعمال يقدم هو الآخر رسالته المباشرة التي يقنع فيها المطلّقة بمنتهى السلاسة، بأن “مشكلة النساء أنهن يرغبن من الرجال دوماً تحديد موقفهم من العلاقة بأبيض أو أسود”، متسائلاً “لماذا لا تكون العلاقة مفتوحة على الاحتمالات كلها؟”. في وقت يُراجع فيه الغرب ترنّحاته الاجتماعية، إلى حد انشغل فيه الفن بهذه القضايا بكل ملحوظ في السنوات الأخيرة، مشجعاً على المزيد من الجدية في مؤسسة الزواج والعائلة والإنجاب، وقائمة هذه الأعمال تطول ويتبناها كبار الكُتّاب والفنانون هناك، فإن أعمالا فنية عربية تقدم طروحات مباشرة حول عدم جدوى هذه المؤسسة، وحول ضرورة مراجعة المنظومة العائلية برمّتها! *صحافية وأستاذة جامعية في الإعلاماضافة اعلان