مكفوفون يستنكرون غياب التكنولوجيا بالجامعات: إلى متى ستبقى حقوقنا "منسية"؟

279
279
ربى الرياحي حالة من الفوضى والإرباك عاشتها زينة (20 عاما) وهي طالبة كفيفة في إحدى الجامعات، وذلك بعد أن نشرت “بوست” على صفحتها، تطلب فيه المساعدة لحل مشكلتها وهي الحاجة لمن يكتب لها في الامتحان. وباستغراب وصدمة، تبين زينة كمية التعليقات التي وصلتها والتي أيضا كانت متباينة بين الإيجابي والسلبي. تقول “لم يكن يفصلها سوى ساعات قليلة عن موعد الامتحان عندما قررت أن تلجأ لمواقع التواصل الاجتماعي لعلها تجد من يساعدها”. وتلفت إلى أن المعاناة كبيرة وخاصة في فترة الامتحانات لأن جميع الطلبة لديهم واجبات، وهذا بالطبع يزيد الأمر صعوبة، فالطلبة إما منشغلون بالتحضير أو لديهم امتحان بذات الوقت، لذا كان الحل هو الاستعانة بمواقع التواصل الاجتماعي لتوصيل صوتها. الردود تفاوتت على منشورها بين من أبدى استعداده الكامل لمساعدتها وبين من حاول السخرية بعبارات مثل “بكتبلك بس شو المقابل”، “بدل ما بتكتبي هون روحي اكتبي امتحانك أحسنلك”، “هيك قاعدة تكتبي هون”، وغيرها من التعليقات القاسية. تقول زينة؛ “عشت مشاعر غريبة في تلك اللحظة فمن جهة سعيدة بحجم الخير الذي لمسته عند عدد كبير من الناس ومن جهة حزينة تشعر بالقهر بسبب الوضع المفروض على المكفوفين وخاصة في الجامعات بداية من عدم وجود كتب خاصة بهم ووصولا للصعوبات الكبيرة التي يواجهونها يوميا في كتابة الامتحانات والقراءة وتسجيل المواد وإعداد البحوث وتسليمها في موعدها المحدد”. وتؤكد أن التكنولوجيا اليوم حلت الكثير من المشكلات كما ساهمت في تسهيل الحياة أمام فئة ذوي الإعاقة وتحديدا المكفوفين من خلال البرامج الناطقة والأدوات التيسيرية التي تساعدهم في القراءة والكتابة والاعتماد على الذات، الأمر الذي يدفعها لأن تتساءل عن سبب التقصير بهذه القضية. آية النوفلي.. من قلب بصيرتها ترى الحياة في الوقت الذي تغزو فيه التكنولوجيا كل مناحي الحياة، ما يزال المكفوفون داخل أسوار الجامعات يواجهون صعوبات في القراءة وإعداد البحوث وكتابة الامتحانات، وإلى الآن تبقى التكنولوجيا غائبة عن الحياة الجامعية بالنسبة لعدد يعتبر كبيرا من ذوي الإعاقة البصرية يطمحون بكل ما لديهم من عزيمة وإرادة لنيل أعلى الشهادات سواء في البكالوريوس أو الماجستير أو الدكتوراة. كثرة المعوقات، وخاصة في ظل عدم تهيئة الجامعات وتأهيلها كما يجب للتعامل مع فئة تحارب التحديات ببصيرتها، يحتاج ومن جميع الأطراف البحث عن حلول جدية كفيلة بأن تنهي معاناة أشخاص حرموا البصر لكنهم لم يحرموا الأمل وحبهم للنجاح والتميز. التكنولوجيا اليوم وبكل أشكالها استطاعت أن تنير درب المكفوفين وتجعلهم أكثر استقلالية في الكثير من الأمور، وهذا يثبت أن التسهيلات موجودة، لكن غياب التطبيق هو ما يعقدها ويحولها إلى حلم بعيد المنال. “التغيير لا يحدث في يوم وليلة.. لكن المهم أن نبدأ جميعا”؛ بهذه الكلمات يحاول حمزة وضع أصبعه على الجرح وتسكين وجع الكثير من المكفوفين وذلك دون أن يهون من حجم المشكلة. يقول؛ “لا يمكنني أن أنكر أن المشكلة كبيرة والمعاناة أكبر فهو يعيش الوضع نفسه بحكم أنه كفيف ويحضر اليوم للدكتوراه”، لافتا إلى أنه قضى سنوات طويلة في الدراسة لم تكن أبدا سهلة عليه سنوات مرت بحلوها ومرها قوته وزادت فيه الإصرار على التميز مهما كانت العراقيل. حمزة ولأنه مؤمن بنفسه استطاع أن يحقق ما يريد، مبينا أن التعاون من قبل الطلبة والمدرسين موجود طبعا وهو ما يهون علينا الضغط، لكن هناك أيضا من لا يبالي بحجم المعاناة التي نعيشها داخل الجامعة، فهنالك حاجة لأن تكون الجامعات مهيئة أمام فئة ذوي الإعاقة وخاصة المكفوفين، إذ لا بد من التخلي عن الحلول البدائية البسيطة والتوجه للتكنولوجيا بقصد تذليل كل العقبات المتعلقة بالقراءة والكتابة ليستطيع الكفيف أن يستقل. ووفق رأي حمزة، فإن البرنامج الناطق يساعد في تغيير حياة المكفوفين للأفضل، فاليوم الشخص الكفيف قادر على استخدام الهاتف بشكل طبيعي ومن دون الاستعانة بأحد، كما أنه أيضا يستطيع الكتابة والقراءة مثله مثل المبصرين تماما وذلك من خلال الكمبيوتر أو اللابتوب وغيرهما من الأجهزة الأخرى المهيأة لاستخدام هذه الفئة لكن غلاء أسعار بعض الأجهزة هو ما يمنع الكثيرين من امتلاكها والحصول عليها. الأخصائي النفسي الدكتور موسى مطارنة يوضح أن الاهتمام بفئة ذوي الإعاقة وبالمكفوفين خاصة هو اهتمام عالمي تنص عليه القوانين والاتفاقيات الدولية، وهذا حق من حقوقهم ليستطيعوا أن يأخذوا فرصهم وأماكنهم في المجتمع بناء على ما لديهم من قدرات. ويشير إلى أن الشخص الكفيف كغيره قادر على العطاء والتميز والنجاح في أي موقع يكون فيه وهذا بالتالي يتطلب من جميع المؤسسات بما فيهم الجامعات دعم هذه الفئة وتوفير كل الإمكانات لتسهيل حياتهم داخل الجامعة ومساعدتهم على تحقيق كل ما يطمحون إليه. لذلك، أوجدت المعدات المساعدة والأدوات التيسيرية نتيجة التطور العلمي والتكنولوجي الذي يشهده العالم وتحديدا في الفترة الأخيرة، وعلى جميع الجهات المعنية التعاون لدمج هذه الفئة وإعطائها كامل حقوقها بشكل حقيقي على أرض الواقع لتتمكن من تقديم الصورة الصحيحة عنها بعيدا عن النمطية والتعميم والحكم المسبق. وبحسب رأي مطارنة، فإن المؤسسات سواء كانت مدرسة أو جامعة أو مكان عمل مطالبة بتوفير كل التقنيات التكنولوجية التي تخدم الكفيف وتجعل حياته أسهل، إذ أن شعوره بالاستقلالية يزيد من حماسه ويدفعه لأن يعطي أكثر ويتقدم. ويبين أن دخول التكنولوجيا الخاصة بالمكفوفين إلى الجامعات أمر في غاية الأهمية، وهو أيضا حق يجب التنبه له، فالكفيف بدوره عليه أن يطالب به ويصر على تحصيله بتوصيل صوته للمسؤولين وعلى الجهات المعنية أيضا أن تشترط وجود الأدوات التيسيرية والمساندة في المؤسسات والقيام بزيارات دورية للتأكد من توفيرها. ويلفت إلى الأثر الكبير الذي يحدثه هذا الاهتمام على نفسية الكفيف فهو بحصوله على الأدوات اللازمة للقراءة والكتابة يشعره بأنه شخص مستقل لديه دافعية كبيرة ليثبت نفسه، بالإضافة إلى أنه يشعر بالراحة والتصالح مع مجتمعه وتتحقق له العدالة الاجتماعية، وبالتالي يتحرر من مشاعر القهر والظلم. وتبين مرام وهي طالبة في السنة الرابعة أنها تعرضت لمواقف كثيرة خلال دراستها وهي الآن تقف على أعتاب التخرج. تقول “كف البصر لم يكن يوما عائقا يمنعها من الوصول لحلمها بالحصول على درجة البكالوريوس.. لكن اتباع الجامعة للطريقة التقليدية في تقديم الامتحانات وهي الاستعانة بكاتب هو ما كان يزيد من الصعوبات، حيث أنها عانت كثيرا بسبب هذا الموضوع. التحديات كثيرة كما تؤكد فهناك بعض الشروط تفرض على الكاتب كأن يكون من خارج التخصص وأن يكون الإملاء لديه صحيحا في جامعات دون غيرها، وهي شخصيا خسرت علامات أكثر من مرة نتيجة الأخطاء الإملائية التي تحاسب عليها هي وغيرها دون أدنى ذنب، وهذا حتما يشعرها بالظلم ويؤذيها نفسيا. وأيضا تذكر من المواقف حادثة حصلت معها في أحد الامتحانات عندما نسيت الكاتبة صفحة كاملة من الأسئلة، فالموقف لم يكن بسيطا لكن تفهم الدكتور وتقديره للوضع هو ما ساعدها على تخطيه، إذ باتت أكثر حذرا وانتباها، منوهة إلى أن التكنولوجيا هي الحل لإنصاف المكفوفين. ويؤكد الأخصائي الاجتماعي الدكتور حسين الخزاعي أن دخول التكنولوجيا إلى الجامعات لتذليل العقبات أمام الأشخاص المكفوفين خطوة مهمة جدا في إنجاح أي مؤسسة ينتمون إليها. ويضيف الخزاعي أن توفير المعدات اللازمة التي تخدم الكفيف يعزز بالطبع من ثقته بنفسه ويساعده على إظهار قدراته في شتى مجالات الحياة لا سيما التعليم والتحصيل الدراسي، مبينا أن توظيف التكنولوجيا بالشكل الصحيح داخل الجامعات سيخفف حتما من الضغوطات النفسية والاجتماعية الملقاة على عاتق الطالب الكفيف والتي غالبا ما تؤثر عليه سلبا. لذلك، ومن باب المسؤولية المشتركة على جميع الأطراف أن تعمل من أجل تنفيذ هذه الخطوة وعدم إهمالها لتكون الجامعات صروحا للتميز والإبداع، وليكون بمقدور الكفيف الوصول إلى أهدافه ونيل أعلى الدرجات بسهولة بعيدا عن أي تعقيدات تحول بينه وبين طموحه. وهذا كله، وفق رأي الخزاعي يعود على المجتمع بالتقدم، وذلك لأن المكفوفين وغيرهم من ذوي الإعاقة سيستطيعون اجتياز كل الصعوبات وأخذ أماكنهم كأعضاء منتجين وفاعلين في المجتمع. ويبين المدرب المستقل في مجال التكنولوجيا الخاصة بالمكفوفين أنس صالح، أن التكنولوجيا اليوم جاهزة وبكل سهولة للدخول إلى الجامعات، لكن المشكلة في الطريقة التقليدية وهي الاستعانة بشخص يقرأ ويكتب للكفيف ترجع إلى قلة الوعي، فهنالك من لا يدرك حجم التغيير الذي أحدثته التكنولوجيا في حياة ذوي الإعاقة عامة والمكفوفين خاصة. ويلفت إلى أن الكفيف قادر كغيره على استخدام الكمبيوتر بواسطة الناطق بسهولة والتحكم بنظام التشغيل كما يستطيع أيضا القراءة والكتابة عليه واستخدام البرامج كالوورد والإكسل والبوربوينت، وغيرها من البرامج الأخرى، بالإضافة إلى قدرته على استخدام شبكة الإنترنت في البحث عن أي معلومة يريدها، وبالتالي هو قادر على إعداد الأبحاث بنفسه. ومسؤولية الجامعة في هذا المجال حسب رأي صالح، تبدأ من تحويل الكتب الورقية إلى كتب إلكترونية، فبإمكان المكفوفين الحصول عليها والاستفادة منها، ومهم أن يكون ذلك مع بداية الفصل الدراسي ليستطيعوا متابعة دروسهم أولا بأول، ويتم ذلك كله باستخدام تكنولوجيا معينة قادرة على تحويل الكلام المصور إلى نصوص ليستطيع الناطق التعرف عليها وقراءتها. أما بالنسبة للامتحانات، فيرى صالح أن الموضوع أسهل مما يعتقد الكثيرون ويكون ذلك بتزويد الكليات داخل الجامعة بكمبيوترات مزودة ببرنامج ناطق، فهناك جزء من هذه البرامج مجاني يمكن تنزيله على الجهاز ببساطة وبالتالي يمكن وضع الأسئلة على الكمبيوتر بأي طريقة يختارها المدرس ليستطيع الكفيف بعد ذلك الإجابة عليها بشكل طبيعي. ويؤكد صالح أن التكنولوجيا بدخولها إلى الجامعات ستحل الكثير من المشكلات التي يواجهها المكفوفون يوميا، وستحقق العدالة والمساواة، وأيضا ستنقل الجامعات إلى مراتب عالية ليس على مستوى البلد فحسب وإنما على مستوى العالم وهذا لن يتحقق فعليا إلا إذا تم رفع الوعي لدى الناس وبمختلف مواقعهم واستحداث قانون يلزم الجامعة والمدرسين بتوفير التكنولوجيا اللازمة للشخص الكفيف خاصة في تقديم الامتحانات. وأخيرا عقد دورات وورشات عمل لتعريف العاملين والطلبة داخل الجامعة على البرنامج الناطق والتكنولوجيا الخاصة بالمكفوفين. اقرأ أيضاً: اضافة اعلان