"من خاف سلم".. هل تعزز الروح الانهزامية؟

5555
5555
رشا كناكرية عمان- “من خاف سلم”.. عبارة حاضرة في منازل عدة، وينتهجها أهال مع الأبناء، ظنًا منهم بأنها السبيل لتجنب الصعاب والابتعاد عن المغامرة بأي من مجالات الحياة، غافلين عما تخفيه من معان وتفاصيل “سلبية” قد تلازم الابن، وتمتد معه حتى الكبر. هذه المقولة قد تكون أخذت في غير سياقها، لتعزز الخوف والترهيب في قلب كل من يفكر بالتحدي والمغامرة أو التغيير، لتصبح حاجزا بينه وبين تحقيق الكثير من أحلامه وطموحاته.

كيف تتخلص من مشاعر الانهزام؟

وأجمع اختصاصيون على أن هكذا عبارات تربي الروح الانهزامية داخل الشخص، ومن المهم الابتعاد عن تداولها وتكرارها أمامه، حتى لا يصبح مترددا وخائفا من المضي قدما في تحقيق إنجازات ومحطات مهمة في حياته. وبين اختصاصيون أن هنالك العديد من الأقوال التي تم قولها بأوقات وحقب معينة، لكنها لا تصلح لكل زمان ومكان، فالحذر واجب، وعلى الأهالي أن يكونوا حريصين على توعية وتثقيف أبنائهم تجاه مخاطر الحياة، لكن دون تخويفهم والتأثير عليهم سلبا، وبالتالي ينقلون ما تربوا عليه بالمستقبل وينشأ جيل غير واثق بخطواته. سالم (34 عاما) ينقل تجربته ويتحدث عن معاناته مع خوفه الذي يسيطر عليه، ويمنعه من الخوض في اتخاذ العديد من القرارات المهمة في حياته وعمله، وذلك تجنبا للوقوع في الفشل، ما أوجد شعور الندم لاحقا بداخله. ويلقي سالم اللوم على عائلته، كونهم زرعوا بنفسه هذا الشعور، إذ تربى منذ صغره على الخوف ومقولة “من خاف سلم” التي تتردد على مسامعه عند إقدامه على أي فعل، لاعتقاد والديه أن الخوف قد يحميه من الصعاب والتحديات. ولهذا، يحرص سالم على ألا ينقل هذا الخوف داخل أسرته وعقول أبنائه، ولا يرغب بأن يتعلم أي منهم هذا السلوك السلبي، مؤكدا أنه ما يزال يحاول أن يتخلص من هذا الشعور في حياته، ليواجه مختلف الظروف والتغيرات الحياتية. اختصاصي التربية الدكتور عايش نوايسة، يعلق على ذلك، بأن “من خاف.. ضعف وانهزم وعجز عن مواجهة الحياة”، وفي التربية فإنها تربي الطفل على الانهزامية وعدم الثقة بالنفس والمجازفة والابتعاد عن المخاطرة. ويشير إلى أنها عكس ذلك تماما، فـ”من تجرأ عاش”.. و”نحن اليوم بالقرن الحادي والعشرين نبحث عن المهارات وعن أشخاص لديهم روح المغامرة والمجازفة والجرأة”، يعبرون عن أنفسهم بطريقة صحيحة. وينوه نوايسة إلى أن هذه المقولة تعكس أيضا عبارة “ابعد عن الشر وغنيله”، والقضية ليست شرا، فأي أمر في الحياة ينبغي مواجهته، فإن لم يتغلب الإنسان على التحديات ولم يعلم أين نقاط القوة التي لديه ويعززها، وما نقاط الضعف ومعالجتها والتعرف على الفرص المتاحة لديه سيعاني شخصية مهزوزة وضعيفة، وقد لا يمتلك القدرة على أن يدافع عن أبسط حقوقه. ويلفت نوايسة إلى أنه للأسف بعض الأهالي ينتهجونها مع الأبناء ليكونوا صورة طبق الأصل عنهم، مبينا أن هنالك مخاوف مشروعة، مثل الانحراف أو تعاطي المخدرات، وينبغي التوعية تجاه ذلك، ولكن من دون اتخاذ أسلوب التخويف من مواجهة الحياة. ويشدد نوايسة “علينا أن نربي جيلا لديه الجرأة ليعبر عن نفسه ويمتلك القدرة على طرح رأيه ويدافع عنها بالحجة والبرهان والمنطق وبكل الوسائل الموجودة بعيدا عن الروح الانهزامية”. ومن الجانب النفسي، يبين الدكتور موسى مطارنة، أن مثل هذه العبارات تقال أحيانا للأبناء في سن المراهقة لأخذ الحطية والحذر، لكن إذا طبقت في مفهومها الخاطئ ينقلب الأمر بشكل سلبي. ويتابع “في أساليب التربية القديمة كان التخويف والترهيب جزءا منها، ويؤمن بها الناس، لكن حاليا اختلفت الظروف، فالمجتمعات غير متجانسة وثقافاتها متعددة، وبالتالي أصبحت هذه وسائل غير سليمة وغير سوية في التربية”. ويتابع “لذلك فإن أساليب التربية الصحيحة للتنشئة تقام على الجرأة والحوار وإبداء الرأي، وبناء الشخصية القادرة على التكيف والتفاهم والتعامل مع المعطيات المتغيرة بسرعة، لتكون قادرة على مواجهة التغيرات والتعامل والتفاعل معها بجرأة وشجاعة”. وينوه إلى أن الطفل الذي ينشأ وبداخله الكثير من المخاوف سيفقد التوازن، تحديدا حينما يبدأ الأهل بتخويفه من الشارع ومن الرفقة في محيط البيت والمدرسة، ومن كل شيء، وهذا قد يولد لديه “رهاب اجتماعي” عندما يكبر ويؤثر على كل مساراته. ويشير مطارنة الى أن الفرد الذي يعاني ذلك يصبح غير قادر على العطاء وبناء ذاته، وغير قادر على الإبداع وتحقيق الذات، وهذه إشكاليات كبيرة في حياته يشعر بها أكثر عندما يكبر، وتسبب له عقدة في حياته. ويشدد على ضرورة الابتعاد عن هكذا مقولات تماما، لأنها تفهم بشكل خاطئ، فالتحذير مهم وأساسي في أمور معينة، لكن بعيدا عن أسلوب التخويف. ولا ويحتاج الطفل، وفق مطارنة، للتمتع بالجرأة والشجاعة، لأنها متطلبات حياة وضرورة لتحقق النجاح والمغامرة المحسوبة. ومن جهة أخرى، يبين اختصاصي علم الاجتماع الدكتور محمد جريبيع، أن الثقافة العربية مليئة بالمقولات، و”علينا كبشر أن نستخدم منها ما يخدم أهدافنا ومصالحنا”. ويوضح جريبيع “إذا كنا نريد أن نبني جيلا مهزوما نستخدم العبارات التي تحتوي على الانهزامية والخوف.. وإذا أردنا جيلا قويا نستخدم أيضا كثيرا من الأمثال والحكم المرتبطة بهذا الاتجاه”. ويضيف “الحكم على المقولة يكون في سياقها العام التي تقال فيه، ومقولة “من خاف سلم” لها شقان؛ إيجابي وسلبي”. ويوضح “السلبي منه أنها تكرس ثقافة الخوف وشعور القلق والاستسلام، لكن لها بعدا إيجابيا بمعنى ليس الخوف الذي يؤدي للقلق والرعب والهلع، وإنما لما يؤدي إلى أخذ الاحتياطات الواجبة، وكمثال على ذلك جائحة كورونا، فالكل خائف، وهذا دفع الناس لتتبع الوسائل الصحية ووسائل السلامة العامة، وهذا جانب إيجابي من الخوف”. ويلفت جريبيع الى أن مشاعر الخوف هي مشاعر إنسانية موجودة عند الجميع بشكل أساسي، لكن هناك بعض الأسر التي لديها حرص زائد على أبنائها رسخ داخلهم ثقافة الخوف، ما يؤثر على تنميته وتقدمه ومبادراته وطموحه ولن يستطيع أن يسير إلى الأمام خطوة واحدة. ووفق جريبيع، فإن كل الأمثال والحكم التي تواجدت لم تقل اعتباطا، بل قيلت ضمن سياق، ومبنية على قصة وعبرة وحكاية، وهي نتاج لتطور حياة اجتماعية عند الأفراد، وإسقاطات على أحداث وقعت فعليا، و”ثقافتنا مليئة بالقصص والحكايات ونحن نستخدم ما يدعم وجهة نظرنا”. ويشدد جريبيع على أهمية توظيف هذه الأمثال والمقولات بأخذ الشق الإيجابي منها فقط، منوها إلى أن التنشئة الاجتماعية عليها أن تسهم بجعل الإنسان مبادرا ورياديا، فهو بالنهاية نتاج أسرة، والخائف ينتج أسرة خائفة مستقبلا، فالخوف مرفوض، بشرط ألا يقابله تهور واندفاع إنما الاعتدال هو المطلوب.اضافة اعلان