نابوكوف.. صائد الفراشات يشاهد الموسيقى ويلوّن الأصوات

الكاتب الروسي فلاديمير نابوكوف
الكاتب الروسي فلاديمير نابوكوف

ترجمة عن الفرنسية: سارة زايد- ما يزال اسم الكاتب الروسي فلاديمير نابوكوف يسطع في سماء أعظم الروائيين؛ فحتى إن لم تقرأ روايته الأشهر "لوليتا"، فمن المحتمل أنك سمعت بها أو شاهدت الفيلم المقتبس عنها بنسختيه عام 1962 و1997، حيث حقق هذا العمل الأدبي نجاحاً عالمياً لمؤلفه، لكن عمره لم يعنه على استلام جائزة نوبل التي رشحه لها الأديب الروسي ألكسندر سولجينيتسين عن رائعته المثيرة للجدل، فتوفي في الثاني من تموز عام 1977 وظل اسمه إلى الأبد في قائمة المرشحين للجائزة.

اضافة اعلان

 

ما الذي يميز نابوكوف، الشاب الفار من البلاشفة والنازيين؟

 

 

 

أول من ترجم مغامرات أليس في بلاد العجائب إلى اللغة الروسية

 

غادر نابوكوف روسيا السوفيتية في سن الـ20 برفقة عائلته، حيث انخرط والده في السياسة وعارض البلاشفة خلال أحداث ثورة 1917، وعلى إثر هجرة العائلة، أُرسل الشاب للدراسة في كلية ترينيتي بجامعة كامبريدج، فأسس الجمعية السلافية، والتي أصبحت فيما بعد الجمعية الروسية لجامعة كامبريدج. كان نابوكوف مفتوناً بالشعر وهو أول من ترجم إلى الروسية مغامرات أليس في بلاد العجائب بقلم لويس كارول، التي تحكي عن فتاة تدعى أليس تسقط من خلال جحر أرنب إلى عالم افتراضي يسكنه مخلوقات غريبة.

 

رجل مخلص لزواجه وموطنه

 

نابوكوف برفقة زوجته فيرا نابوكوف برفقة زوجته فيرا

 

انتقل نابوكوف بعد الدراسة في إنجلترا إلى برلين، حيث تزوج من فيرا، تلك المرأة التي كتب لها رسالةً جاء في مطلعها: "أنتِ الإنسان الوحيد الذي بإمكاني أن أتبادل الحديث معه حول التلوينات الدقيقة لسحابة، وأنتِ الوحيدة التي يمكنني أن أقول لها وأنا ذاهب للعمل بإنني نظرت في وجه زهرة عباد الشمس فابتسمت كل بذرة فيها". بسبب افتراقه عن وطنه، ذلك الحدث الذي أدمى روحه، كانت إحدى الأفكار الأساسية في أعمال نابوكوف هي الحنين إلى الماضي. لذا تعكس بعض رواياته، المكتوبة في أوروبا باللغة الروسية، توقه للعيش بالوطن، وتحكي أيضاً عن ماهية حياة المهاجرين الروس في برلين وباريس. ماتشينكا (1926)، دفاع لوجين (1930)، دعوة للتعذيب (1938)، الدون (1938)، هي كتب نُشرت في أوروبا باللغة الروسية وحظيت بتقدير كبير من قبل الشتات الروسي. وعلى الرغم من أن كتب نابوكوف لم تُنشر في الاتحاد السوفيتي قبل البيريسترويكا (سلسلة الإصلاحات وإعادة الهيكلة السياسية الاقتصادية)، إلا أنها تُعتبر الآن روائعاً روسيةً بحتة.

 

تعكس روايات نابوكوف عمقه الفكري، فتحكي قصة شخص غني روحياً يتعارض مع ابتذال العالم الخارجي، يتعمق في الميتافيزيقيا ويتنقل في خياله بين برلين وذكريات وطنه ثم إلى عوالم الأناس العاديين.

 

صائد فراشات ماهر

 

 

بالإضافة إلى عمله كأستاذ للأدب، كان نابوكوف مهووساً بالفراشات، حيث جمع كثيراً منها لمتحف علم الحيوان المقارن بجامعة هارفارد، وبعد وفاة الكاتب، تبرعت زوجته فيرا بيرقاته المُصطادة لجامعة لوزان. كان للفراشات تأثير كبير على فنه، إذ ذكر هذه الحشرة في أعماله حوالي 570 مرة، ويجزم خبراء الأدب أن بعض الفراشات التي يصورها نابوكوف في رواياته تتضمن تلميحات إلى الحياة الواقعية، ففي رواية الدون على سبيل المثال، تطير فراشة صفراء فوق مدينة سانت بطرسبرغ لتُذكِّر المؤلف بوالده، وفي سيرته الذاتية شواطئ أخرى، يرمز مسير الفراشات إلى الطريق الذي سلكه جد نابوكوف، وهو رجل ثوري، تم نفيه إلى سيبيريا.

 

ترجم رواية يوجين أونيجين إلى الإنكليزية

 

واحدة من أصعب اللحظات لأي مترجم لغته الأم هي الروسية أن ينقل رواية ألكسندر بوشكين "يوجين أونيجين" إلى الإنجليزية، لكن نابوكوف تمكن من إنهاء الترجمة على الرغم من رفضه اتباع هيكل بوشكين، مشيراً إلى أن الحفاظ على القافية والإيقاع الأصلي سيقتل روح الشاعر والجوهر الأدبي للرواية.

 

بالإضافة إلى يوجين أونيجين، ترجم نابوكوف رواية كلاسيكية أخرى: بطل هذا الزمان (1839) لميخائيل ليرمونتوف، وهي أول رواية نفسية في الأدب الروسي، وكان أيضا أول من ترجم "حكاية إيغور"، وهو عمل أدبي من القرن الثاني عشر مكتوب باللغة السلافية القديمة.

 

مؤلف رواية لوليتا

 

 

كتب نابوكوف رائعته لوليتا باللغة الإنجليزية ثم ترجمها إلى الروسية. وأدرجت تلك الملهاة المأساوية في قائمة تايمز لأفضل 100 رواية باللغة الإنجليزية. واحتلت المرتبة الرابعة في قائمة المكتبة الحديثة لعام 1998 لأفضل 100 رواية في القرن العشرين، كما أدرجت في قائمة أفضل 100 كتاب في كل العصور.

 

لوليتا ضوء حياتي نار كبدي خطيئتي روحي لو- لي- تا رأس اللسان يصنع ثلاث ضربات على طول سقف الفم وعند الثالثة يصطدم بالأسنان.. لو.. لي.. تا

أحب هامبرت في صغره صديقته الجميلة أنابيل، لكنها رحلت باكراً بعد أن أرهق جسدها داء الحمى النمشية. وعلى إثر تلك الحادثة، يبقى هامبرت متعلقاً بسحر الفتيات الصغيرات وخاصة الجميلات منهن اللواتي أطلق عليهن اسم «الحوريات».

 

يصبح همبرت أستاذ أدب في الأربعينيات من عمره، ويتعرف على فتاة لم تتجاوز الـ١٥ من عمرها تدعى لوليتا ليقع بحبها ويبدأ معها رحلة ألمه، بيدوفيليته لذته المحرمة ومصيره التعس.

 

عبقرية نابوكوف

 

 

كان نابوكوف رجلاً يتمتع بذكاء كبير، كان عالماً يتحدث ثلاث لغات بطلاقة، فهو الذي قال: إن لساني يتحدث الإنكليزية وقلبي الروسية، وأذني تسمع الفرنسية.

 

بالإضافة إلى ذلك، كان نابوكوف قادراً على التوليف، على سبيل المثال، لم يكن بإمكانه سماع الموسيقى فحسب، بل شاهدها أيضاً، فكان لديه إحساس ملموس بكيفية تلوين الأصوات والحروف المختلفة. وهو شيء نادر كان لكل من إسحاق نيوتن، يوهان جوته وكارل يونج تلك القدرات المماثلة.