"يا وحدنا".. تجد مكانها بين الغزيين لتحاكي مشاعر الخذلان

الدمار في  قطاع غزة-(وكالات)
الدمار في قطاع غزة-(وكالات)

وحدهم بقي الغزيون يواجهون مصيرهم؛ صامدين يتصدون بأجسادهم وأرواحهم في حرب الإبادة الجماعية التي استأنفها العدو الصهيوني بشراسة منذ توقف العمل بالهدنة، في ظل الصمت العالمي لما يحدث في قطاع غزة من حرب وحشية، وليالي الخوف الطويلة الباردة التي يقضيها الغزيون في سواد الليل الحالك، تضيئها صواريخ العدو الصهيوني والقنابل بهدف إبادية اجرامية على ذلك الشعب الأعزل، مستهدفين الأطفال والنساء وكبار السن في كل مكان.

اضافة اعلان


"لا مكان آمن في غزة"، ففي الشمال قصف، وفي الجنوب جوع وخوف وعطش، وفي الطريق بينهما أحزمة نارية ومدافع صهيونية، تضرب بشراسة من دون رحمة.. ليبقى الغزيون وحدهم هناك.


تيقن الغزيون، اليوم، أنهم وحدهم يواجهون مصيرهم وعائلاتهم التي بدأت تتلاشى وبيوتهم التي دمرت، فلم يعودوا بحاجة اليوم لعبارات المساندة والمقولات الجاهزة التي لم تغنهم من الجوع ولم تحمهم من القصف، لم يعد يعنيهم شيء أمام جراحهم التي لا تشفى.


خيبة أمل كبيرة يعيشها الغزيون الذين بقوا وحدهم دون أي خيارات في الحياة، فإما البقاء في الشمال وانتظار لحظة الاستشهاد أو النزوح إلى الجنوب والإستشهاد على الطريق الذي تلفه المدرعات والمسيرات الصهيونية أو الوصول إلى الجنوب حيث يتجرعون الموت مرتين.

 

نشر الناشط والصحفي معتز عزايزة على حسابه الرسمي على "إنستغرام" عبارة "يا وحدنا"، التي عبر من خلالها أن الغزيين بما يزيد على 60 يوما للحرب بقوا منعزلين تحت القصف والضرب يعدون كل يوم قافلة من الشهداء. وشارك عزايزة لمتابعيه منشورا آخر لاقى تفاعلا كبيرا من قبل رواد مواقع التواصل الاجتماعي، الذين عبروا بخجل عن عجزهم وعدم قدرتهم على مساعدة أهلهم في غزة، في حين استمر آخرون بالدعاء لغزة وأهلها والتضرع إلى الله بنصرهم.


وقال عزايزة في منشوره "كأن الهدنة جسر تسير فيه نحو ضفة الموت الأخرى، تنتظر مصيرك لينالك ما نال الآخرين، هدنة لا شيء فيها يشبه الهدنة، لم تصلك المساعدات اللازمة ولم تستطع حتى شراء ما يلزمك لأنه غير موجود، تستمر معاناتك بينما ينعتك الآخرون بالصامد القوي.. فيرون بذلك أنك أسطورة فترتاح ضمائرهم وتصدق أنك تلك الخدعة فتخجل أن تقول أنك تعبت".


أشعلت عبارة "يا وحدنا" مواقع التواصل الاجتماعي، وقد شاركها الكثيرون من قطاع غزة للتعبير عن عجزهم وشعورهم بالخذلان من العالم بأسره.


وفي جزء منشور لعامر المصري، قال "نحن في غزة عند الله بين شهيد وشاهد على التحرير، وكلنا ننتظر أين سنكون، ورغم كل الدماء التي ما تزال تسيل لم يتوقف الشهداء عن الصعود إلى السماء ولم تنته الحرب وما نزال نردد بعد كل ليل طويل.. "يا وحدنا"".


وفي منشور آخر "نموت وحدنا يا الله.. لا مهرب ولا منجى من نار الاحتلال برا وجوا وبحرا.. يحاصرون المستشفيات ومن يخرج يقتل ومن يبقى سيقتل.. يا عجزنا رفعت الأقلام وجفت الصحف.. حسبي الله في القريب قبل البعيد "يا وحدنا"".


اختصاصية علم الاجتماع الدكتورة فادية الإبراهيمي، تبين أنه ومنذ بداية الاحتلال الغاشم على فلسطين؛ الأرض المقدسة ذات الرمزية الدينية والإنسانية للعرب والمسلمين، والجميع يستنجد للنصرة والتحرير، لكن ما يجري اليوم من أحداث يفوق قدرة التصور البشري منذ مطلع الألفية الثالثة من قتل ودمار للمدنيين والعزل والأطفال في غزة دون تحريك أي ساكن.


وتقول الإبراهيمي "مؤلم جداً على أهالي غزة ما يحدث لهم وهم يرون الصمت العالمي والإنساني تجاههم.. الخذلان من عدم تلبية النداء والاستجداء، واليوم أهالي غزة يتعرضون لأبشع أنواع العنف، وما نراه من فيديوهات وصور للأطفال شاهد حقيقي على كل شيء". 


اليوم عبارة "يا وحدنا" من أصدق العبارات وأقواها.. لكن كلمات المواطنين والشعوب وحدها لا تكفي؛ فالكلمة لا تستطيع أن تواجه القذائف والقصف والقتل ولا تستطيع أن توقف الدمار والفقد والألم. 


وتصف الإبراهيمي الألم بأنه مضاعف على أهالي غزة، ألم الاعتداء وألم الخذلان، الحالة النفسية وما يتعرضون له أكبر بكثير من قدرة التصور الإنساني.


"يا وحدنا"، من جانب آخر، يمكن أن تكون يا قوتنا يا صبرنا يا عظمتنا، ويا صمودنا على أمل النصر في يوم قريب.


وتشير الإبراهيمي إلى أن الحرب في غزة فيها الكثير من الظلم، إذ يبحث الغزيون عن البقاء، وغريزة البقاء هي أهم الغرائز البشرية، والإنسان بطبعه يسعى للعيش وإكمال الحياة حتى بكل آلامها وصعوباتها وخيباتها، يتشبث بالحياة ويريد أن يبقى حتى لو كان البقاء معاناة. 


"الهدنة في غزة" كانت بمثابة وعد جديد بالحياة حتى لو لبضعة أيام، وبالتأكيد هذه الهدنة أعطت شيئا من الأمان لسكان غزة ليعيشوا أياما معدودة دون خوف من الموت أو الفقد في أي لحظة، وفق الإبراهيمي. 


وتتابع أن الهدنة أعطتهم فرصة لتبادل الأسرى وعودة بعضهم لأهاليهم بعد غياب طويل، مما أدخل شيئا من الفرحة بعد ألم ووجع طويل، وسمح أيضاً بوصول بعض المساعدات الإنسانية للقطاع وأعطى المقاتلين فرصة للاستراحة وإعادة جمع قواهم والتخطيط لعمليات قتالية جديدة. 


أما عن الأهالي والسكان، وفق الإبراهيمي، فقد تكون الحياة الاجتماعية والممارسات اليومية قد عادت بعض الشيء لطبيعتها لوقت محدد ليعود الدمار لكل مكان مع آلام الفقد.


هذه الهدنة كانت فرصة لاستعادة التوازن النفسي والتخلص من الآلام والضغوط النفسية والمشاعر السلبية من خوف وقلق وتوتر دائم عاشها الجميع لفترة طويلة، وفرصة حتى لراحة الجسد للنوم لساعات أطول دون خوف، وللبحث عن مأوى آمن حقاً، إن كان أحد يأمن من غدر الاحتلال على أرضه، وفرصة للأشخاص الذين بذلوا جهودا جبارة خلال الحرب للراحة، ومنهم بعض المهن الصعبة التي عانت كثيراً خلال الحرب، مثل الأطباء والممرضين المسعفين والعاملين في الإعلام، كذلك كانت الهدنة بمثابة استراحة وفرصة للحياة لبضعة أيام من دون موت، وفرصة للروح والعقل والنفس للتخلص من الخوف. 


استئناف القتال من جديد، وفق الإبراهيمي، يعني عودة الموت والدمار وانهيار المباني، فقد كل مشاعر التوازن الطبيعية لدى الأشخاص، العودة لكل ما هو سلبي ومؤذ، سماع القصف من جديد، الصرخات والبكاء، رؤية الشهداء والجرحى والدماء في كل مكان.


وتعتقد الإبراهيمي أن ما بعد الهدنة سيكون من الناحية النفسية والمعنوية متعبا جداً، لأن طاقة الإنسان الطبيعية قد استنفدت عند سكان غزة كباراً وصغاراً، عودة الحرب من جديد هي بمثابة صدمة نفسية متعبة لأشخاص أنهكتهم الحرب وفقدوا ما فقدوا من حياتهم. الروح المعنوية وإعادة إحيائها من جديد لاستئناف الحرب والمقاومة على الأرض أمر ضروري، وإن كان صعبا جداً.


التكافل الاجتماعي والإنساني للأهالي وسكان القطاع أساسي لاستمرار الصمود.

 

الثقة بالله وبالنصر، والثقة بالذات وبالقدرة على الصمود، تقوي من الروح المعنوية، وعلى الصعيد الآخر يعيش أهالي غزة حالة من الخذلان والإحباط بسبب عدم وقوف العرب والمسلمين بالشكل اللائق أو اللازم لمقاومة الظلم والطغيان وإيقاف القتل.