تهجير سكان غزة.. جولة أخرى من صراع الديموغرافيا مع الاحتلال

فلسطينيون يتنقلون بين شمال وجنوب قطاع غزة تجنبا للقتل-(وكالات)
فلسطينيون يتنقلون بين شمال وجنوب قطاع غزة تجنبا للقتل-(وكالات)
 منذ الأسابيع الأولى للحرب الجارية في غزة، ظهرت النية الإسرائيلية لتهجير سكان القطاع إلى خارجه، ورغم المد والجزر في مستوى الغطاء الأميركي والغربي لهذه الخطوة، فإنها بقيت في صلب الإستراتيجية السياسية والعسكرية للاحتلال حتى الآن.اضافة اعلان
وهذا ما يدعو إلى استكشاف جذور هذا التوجه، وسياسات تنفيذه، والمواقف بشأنه، ومظاهر مقاومته.
الهاجس الديموغرافي
تقوم الفكرة الصهيونية على أن "فلسطين أرض بلا شعب، سيقطنها شعب بلا أرض"، ولكي تصبح هذه الفكرة صالحة للتنفيذ ينبغي أن تصبح الأرض فعلا بلا شعب فلسطيني.
ومعلوم أن نمط الاستيطان الإسرائيلي "إحلالي"، بمعنى أنه قائم على طرد أصحاب الأرض والتوطن مكانهم، وهذا ما يظهر في جغرافية مدن ومستوطنات دولة الاحتلال القائمة على أنقاض قرى فلسطينية دمرت عام 1948.
ورغم هذا الهاجس، فإن الصهيونية ودولة الاحتلال لم تتمكنا من تحقيق هدف التهجير بشكل كامل؛ لعوامل، أبرزها، مقاومة الفلسطينيين وصمودهم بأرضهم، وعدم توفر الغطاء الدولي لتهجيرهم بشكل كلي، ومراهنة الاحتلال لبعض الوقت على إستراتيجية إدماج واحتواء "أو أسرلة" الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1948.
ومما زاد الطين بلة، بالنسبة إلى الإسرائيليين، أن معدل النمو السكاني للفلسطينيين مرتفع للغاية، مما أسهم في جعل عددهم أكبر من اليهود داخل حدود فلسطين التاريخية.
سياسات التهجير الإسرائيلية
وفي ظل هذا الفكر الصهيوني العدواني، التزمت دولة الاحتلال بسياسات تدفع باتجاه تفريغ أرض فلسطين من أهلها.
ففي أوقات الحرب تعمد إلى ارتكاب المجازر والترويع، ونشر الإشاعات لتدفع الفلسطينيين إلى الفرار من بيوتهم ومدنهم وقراهم، كما حدث في مجازر دير ياسين وقبية والدوايمة عام 1948.
وفي أوقات السلم، اعتمدت وسائل كثيرة منها، التضييق الأمني والاقتصادي والمعيشي، من خلال تقييد الخدمات الصحية والتعليمية، وتقييد حركة الفلسطينيين من خلال مئات الحواجز التي أقامتها بين مدن وقرى الضفة الغربية، والسيطرة على الموارد الطبيعية ومنعهم من استغلالها، إضافة إلى فرض العقوبات الجماعية، والغرامات المرتفعة، وعدم الاعتراف بمواطن البدو وتهجيرهم منها، وإقرار قانون أملاك الغائبين الذي مكن سلطات الاحتلال من وضع يدها على أملاك المهجرين.
وفي مفاوضات التسوية، أظهرت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تشددا بشأن عودة اللاجئين إلى فلسطين.
مساعي تهجير أهل القطاع
رأى قادة الاحتلال في عملية طوفان الأقصى في السابع من تشرين الأول (أكتوبر) الماضي ضربة إستراتيجية، قد يخفف أثرها إحداث تغيير إستراتيجي في وضع القطاع، على صعيد الأرض أو السكان أو كليهما. وذلك بخلق منطقة عازلة داخله، أو احتلال شماله بالكامل وتفريغ سكانه، أو تهجير أهالي القطاع، أو نسبة كبيرة منهم، إلى خارج فلسطين، طوعا أو كرها، برا أو بحرا.
ويضاف هذا إلى الدوافع التقليدية، كتحقيق الهدف الصهيوني في الاستيلاء على الأرض بعد التخلص من السكان، والرغبة في التخلص من المقاومة، أو تقليل خزانها البشري على الأقل، وهذا مما يعزز فرصتها في الاستيلاء على حقول الغاز في مياه غزة، وتحييد التهديد لمشاريعها لاستخراج الغاز من البحر المتوسط.
وفي هذا السياق، أوجد الاحتلال ظروفا طاردة لأهل القطاع منذ احتلاله، وشددها بحصاره غزة منذ 2006 عقب فوز حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بالانتخابات التشريعية، وهو ما دفع منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة روبرت بايبر عام 2017 إلى التحذير من أن قطاع غزة في طريقه إلى أن يصبح غير صالح للحياة بسبب تدهور الأوضاع الإنسانية على جميع الأصعدة.
وفي الحرب الجارية على القطاع، اعتمد جيش الاحتلال سياسة الترويع من خلال تشديد الحصار ليصبح حصارا شاملا، أوقف بموجبه الماء والغذاء والوقود والكهرباء، إضافة إلى القصف الهادف إلى إيقاع أعداد كبيرة من القتلى ونطاق واسع من الدمار، بما يشمل تقويض المرافق المدنية، وكل ما يلزم لاستمرار الحياة، كالمستشفيات والمدارس والمساجد، مع إبداء أصناف الوحشية في اعتقال الفلسطينيين. ومن أهداف هذا السلوك دفع أهل القطاع إلى الهجرة، وهذا استنساخ أكثر إجراما وقسوة لنموذجي التهجير في 1948 و1967.
كما استخدم الاحتلال أوامر الإخلاء المتدرجة لبعض مناطق القطاع بما يؤول إلى تجميعهم على الحدود مع مصر كمقدمة لتهجيرهم.
وعلى الصعيد السياسي، طرحت حكومة الاحتلال التهجير حلا للصراع منذ بدايات الحرب، وكان واضحا من الخطاب السياسي للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي من أن هناك مطالب دولية بتسهيل عملية لجوء الغزيين إلى سيناء.
وعلى الصعيد الإعلامي، يتم العمل في الكيان المحتل على تجريم عموم أهالي القطاع لتبرير قتلهم وتهجيرهم، أو الترويج بأن من يرغب إسرائيل في تهجيرهم من مؤيدي حركة حماس كما جاء في تصريحات وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموترتيش.
وظهر تواطؤ فعلي من الإدارة الأميركية بشأن تهجير سكان القطاع في بداية الحرب، إذ حاول وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن ترويج الفكرة إقليميا خلال أول زيارة له إلى المنطقة عقب السابع من تشرين الأول ( أكتوبر)، ثم تراجعت الحماسة الأميركية لتبني الأمر بوصفه خيارا معلنا، ولكن من دون ممارسة ضغط كاف لردع الاحتلال عن هذا المسار.
وفي حين تصرح غالبية الدول الغربية برفض التهجير، فإن العديد منها أبدت استعدادا لاستقبال اللاجئين المفترضين. وهذا الموقف والخطاب يوفر أرضية سياسية لاستمرار إستراتيجية التهجير الإسرائيلية، سواء كان طوعا أو كرها.
مقاومة التهجير
وكان لصمود مئات الآلاف من أهل شمال القطاع دور محوري في إعاقة مشروع التهجير ومخطط احتلال الشمال. وهذا من دوافع معاقبة الاحتلال لهؤلاء من خلال تشديد الحصار، سعيا إلى إخضاع إرادتهم للقبول بالتهجير، وحتى يكونوا عبرة لبقية أهل القطاع.-(وكالات)