"حماس" تخرج الانتخابات من عُنق الزجاجة: مخرج لمأزق أم تجسيد لأزمة داخلية

فلسطيني يدلي بصوته في مركز اقتراع بالانتخابات التشريعية الماضية.-(ارشيفية)
فلسطيني يدلي بصوته في مركز اقتراع بالانتخابات التشريعية الماضية.-(ارشيفية)
نادية سعد الدين عمان- أخرجت حركة "حماس" العملية الانتخابية الفلسطينية المُجمّدة من عُنق الزجاجة، عند الموافقة على إجرائها "بالتتابع" وليس "التزامن" كما أصرت سابقاً، بما قد يحل إحدى الإشكاليات الشائكة أمام إتمامها خلال ستة أشهر أو أقل، وسط توقعات بصدور المرسوم الرئاسي بشأنها في غضون أيام قليلة فقط. وتعكس ثيمة الرسائل المتبادلة بين حركتي "فتح" و"حماس"، خلال اليومين الماضيين، في وهلتها الأولى، أجواءً إيجابية تكرس حرص الطرفين على إنهاء الانقسام، الممتد منذ العام 2007، وتحقيق الوحدة الوطنية، سبيلاً للمواجهة الجمعية المضادة لعدوان الاحتلال الإسرائيلي، وللتحديات المحدقة بالقضية الفلسطينية. وتجسد الموافقة الحمساوية على إجراء الانتخابات، الرئاسية والتشريعية والمجلس الوطني، بالتتالي، حالة التوافق الداخلي الذي بلغته الحركة مؤخراً عند تجاوز عُقدة التمسك بتزامن إتمامها معاً، والذي كان التيار المتشدد ضمن صفوفها يُصر عليها، نحو الأخذ بناصية التتابع، بما يسمح بالترتيب لخطوات تنفيذها خلال المدة المتفق عليها سابقاً بستة أشهر. بينما تعبر مسارعة الرئيس محمود عباس إلى الترحيب بمضمون رسالة رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس"، إسماعيل هنية، واتخاذ خطوة مماثلة بالرد عليها برسالة خطية، عن التزام حركة "فتح" ببناء الشراكة وتحقيق الوحدة الوطنية بوصفها هدفاً استراتيجياً، مُوجهاً تعليماته باتخاذ الإجراءات المناسبة لإتمام "عملية ديموقراطية حرة ونزيهة"، وفق ما ورد في رسالته. بيد أن المناخ "التصالحُي" المنبعث من بين ثنايا رسائل "فتح" و"حماس"، يخفي خلفه، أيضاً، مأزقاً مزدوجاً تعاني منه كلا الحركتين، في إطار المأزق الداخلي الفلسطيني الأكبر، والذي ترجمتاه عبر الدفع بإجراء الإنتخابات العامة، بالرغم من وجود ملفات ذات صلة ما تزال عالقة بينهما، ووسط الممانعة الإسرائيلية لإجرائها في القدس، في ظل جهود استئناف المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية التي تريدها السلطة الوطنية بقوة، بينما ترفضها "حماس" وبقية الفصائل. ويؤدي قلب خطوات استعادة الوحدة الوطنية بالاتفاق أولاً على إجراء الانتخابات، ضمن مستوى الضفة الغربية وقطاع غزة، قبل إنجاز المصالحة الفلسطينية، إلى عرقلة الاستحقاق الانتخابي، عندما تطل قضايا موظفي غزة، وإحكام سيطرة السلطة على القطاع، والبرنامج السياسي، وسلاح المقاومة، بتحدياتها الخلافية الثقيلة في واجهة المشهد السياسي الداخلي. وإذا كانت غالبية تلك الملفات الشائكة، التي لم يتم حسمها بعدْ، تشكل محور حوار حركتي "فتح" و"حماس"، في القاهرة وإسطنبول مؤخراً وخلال اللقاءات العديدة الممتدة منذ العام 2007، والتي كان من المفترض أن يُمهد التوافق حولها لعقد حوار وطني شامل، فإن ركنها جانباً لأجل المضي في العملية الانتخابية قد يجعلها بؤرة قابلة للتفجُر في أي لحظة طيلة الفترة التحضيرية فإجراء الانتخابات، بما قد يعرقل إتمامها. وفي ظل الجهود الدولية والإقليمية الحثيثة لاستئناف المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية، والمتوقع تحريكها في عهد الرئيس الأميركي المنتخب، جو بايدن، فإنه ليس مستبعداً إقبال القيادة الفلسطينية على الخيار التفاوضي الذي لم تُبارح دائرته الاستراتيجية، حتى وإن بعدت عن طاولته التفاوضية، منذ العام 2014، بما قد يؤثر على أجواء التصالح الانتخابي أمام رفض "حماس" والفصائل الوطنية العودة إلى المفاوضات مجدداً. بينما مايزال العامل الإسرائيلي يلعب دوراً مهماً في الملف الانتخابي، نظير قدرته على تعطيلها وإفشالها عند التمسك برفض إجرائها في القدس المحتلة، بسبب استفادته المثلى من استمرار الانقسام لمتابعة مشروعه الاستيطاني التهويدي في فلسطين، والركون إلى واقع القطيعة بين الضفة وغزة للتدليل على ما يدعيه أمام المجتمع الدولي من مزاعم عدم وجود شريك فلسطيني، وانتفاء ركائز إقامة الدولة الفلسطينية المتصلة على حدود 1967، خلافاً للمسعى الفلسطيني في الأمم المتحدة. وقد لا يشفع كثيراً لتذليل تلك العقبات ما تحدث به عضو المكتب السياسي لحركة "حماس"، ماهر عبيد، أمس، عن "وجود ضمانات روسية ومصرية وتركية وقطرية بإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية والمجلس الوطني الفلسطيني خلال فترة لا تزيد على 6 أشهر". انتهاء خلافات "حماس" حول الانتخابات وقد يُعبر طرح حركة "حماس" الأخير عن "انتهاء خلافاتها الداخلية بشأن طبيعة إجراء الانتخابات الفلسطينية، ما يشي بحلها، بعد دراسة قياداتها للوضع العام والمتغيرات الحاصلة في المشهد الإقليمي والدولي"، وفق عضو المجلس الاستشاري لحركة "فتح"، اللواء الحاج خالد مسمار. وقال الدكتور مسمار، لـ"الغد"، إن "حماس كانت مختلفة ضمن صفوفها القيادية بشأن مسألتي "التزامن" و "التوالي" في إجراء الانتخابات، إزاء وجود تيار متشدد ضمن القيادة في قطاع غزة يتمسك بالتزامن، ويبدو أنها حسمت أمرها مؤخراً من خلال رسالة رئيس مكتبها السياسي، باتخاذ قرار بالموافقة على ما تم الاتفاق عليه في لقاء اسطنبول"، الذي عقد في أيلول (سبتمبر) الماضي. ونوه مسمار، وهو أيضاً عضو في المجلس الوطني الفلسطيني، إلى أن "الإجراء القادم يتمثل في إصدار الرئيس عباس مرسوم رئاسي بشأن إجراء الانتخابات، والمتوقع خلال أيام قليلة"، معرباً عن تفاؤله بإتمام العملية الانتخابية، وبما "يؤكد حرص القيادة الفلسطينية وحركة "فتح" برئاسة الرئيس عباس على تحقيق المصالحة والوحدة الوطنية". مخرج للمأزق فيما قد يشكل الطرح الأخير "مخرجاً للمأزق الذي وصلت إليه كل من "فتح" و"حماس" مؤخراً"، وفق قول خبير القانون الدولي، الدكتور أنيس قاسم، وذلك عند "حُسن الظن بهما في ظل انتفاء الثقة بجديتهما في تحقيق المصالحة"، بحسب تعبيره. واستبعد الدكتور قاسم، في حديث لـ"الغد"، إجراء الانتخابات الفلسطينية خلال فترة الستة أشهر القادمة، معتبراً بأن "القيادة الفلسطينية ستنأى بنفسها عن أي انتخابات قد تضع قيوداً على تصرفاتها، حينما تكون ملزمة لتقديم تقارير أمام المجلس التشريعي الذي سيضم حماس". وأضاف أن "القيادة الفلسطينية قد تلجأ إلى المماطلة، أو صرف الانتباه نحو جهود استئناف المفاوضات التي تريد عودتها، فيما قد تلجأ سلطات الاحتلال أيضاً إلى عرقلة إجراء الانتخابات". ونوه إلى أن "التجارب السابقة التي توصل فيها الطرفان إلى اتفاقات مماثلة، سرعان ما كان يتم انتكاستها، مما قد يدفع باتجاه عدم التزام جانب التفاؤل كثيراً، في ظل وجود عناصر من داخل حركتي "فتح" و"حماس" لا يروق لها المصالحة، فتضع العراقيل أمام تنفيذها". وأوضح بأن "إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية سيتم وفق القانون الذي صدر في العام 1995 تحت مظلة "أوسلو"، بينما ستجري انتخابات المجلس الوطني وفق قانون الانتخابات الصادر العام 1964 والمتعلق بمنظمة التحرير". وأفاد بأن "قانون منظمة التحرير لا ينص على انتخابات رئاسية أو تشريعية، وإنما فقط انتخابات المجلس الوطني". وكان المستشار الإعلامي لرئيس المكتب السياسي لحركة حماس، طاهر النونو، قد أعلن عن تلقي هنية رسالة خطية من الرئيس عباس، والتي أكد فيها، وفق النونو، "التزامه والتزام حركة "فتح" ببناء الشراكة وتحقيق الوحدة باعتبارها هدفاً استراتيجياً، معتبرا الحوار الوطني هو الطريق لتجسيد ذلك". وأوضح أنه سيعمل على توفير البيئة والمناخ الإيجابي لاستمرار تجسيد كل التفاهمات والاتفاقات بما فيها مخرجات لقاء الأمناء العامين وتفاهمات إسطنبول. وكان هنية، قد أكد في رسالته التي وجهها للرئيس عباس إجراء انتخابات المجلس الوطني والمجلس التشريعي والرئاسة على قاعدة التوالي والترابط في مدة أقصاها 6 أشهر.اضافة اعلان