غزة.. هل تشهد أهوال نهاية العالم بفظاعة الاحتلال؟

مسعفون يحاولون العثور على ناجين من قصف استهدف مبنى سكنيا لعائلة في جباليا-(وكالات)
مسعفون يحاولون العثور على ناجين من قصف استهدف مبنى سكنيا لعائلة في جباليا-(وكالات)
 نساء يتضرعن وأطفال يبكون "أخرجونا من هنا". مجموعة من حوالي 20 شخصا يتقدمون سيرا على الأقدام باتجاه جنوب قطاع غزة، يحملون الحزم والبطانيات والمبردات وعلب المياه، فرارا من القصف وبحثا عن ملجأ. يصرخ الأب الشاب على رأس النازحين.اضافة اعلان
بهذا المشهد من شريط مصور بث على منصات التواصل، افتتحت صحيفة "ليبيراسيون" تقريرا تصف فيه مشاهد نزوح المدنيين التي صورها من القطاع مراسل شاب اسمه معتز، لتوثيق ويلات العدوان ومصير مئات الآلاف من سكان القطاع الذي يقصفه جيش الاحتلال بلا رحمة ودون هوادة، حيث يقول أحد سكان خان يونس "منذ انتهاء الهدنة، أصبح كل يوم أكثر فظاعة من اليوم الذي قبله".
وتقول تمارا الرفاعي مديرة العلاقات الخارجية في وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) "تلقينا أوامر من الإسرائيليين بإجلاء مئات الآلاف من الأشخاص".
وتقدر الوكالة الأممية -التي قامت بإيواء أكثر من 1.2 مليون مدني في مدارسها ومبانيها المختلفة منذ بداية العدوان- أن 80 % من سكان غزة أو 1.8 مليون شخص تم تهجيرهم، في أكبر نزوح للفلسطينيين منذ عام 1948.
وقالت الرفاعي إن الاحتلال يطلب منهم إجلاء الجميع لحشده في منطقة المواصي الخالية من الأنفاق حسب بعض المصادر الدولية، وهي جيب صغير لا تتجاوز مساحته 14 كيلومترا مربعا، متسائلة بغضب "كيف نصدقهم (الصهاينة) وقد نكثوا بوعدهم وهاجموا الجنوب عندما طلبوا منا إجلاء سكان شمال غزة إليه؟".
وتختم مديرة العلاقات الخارجية لدى الأونروا بالقول "لدي شعور بأننا وصلنا إلى يوم القيامة. إنها نهاية العالم".
من جهته، ذكر المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) جيمس إلدر أنه من المستحيل إقامة مناطق آمنة للمدنيين بقطاع غزة، وقال "هذه المناطق لا يمكن أن تكون آمنة لأن الإعلان عنها من جانب واحد. أعتقد أن السلطات على علم بذلك، مما يدل على اللامبالاة بأطفال ونساء غزة. الوضع مفجع ومثير للقلق".
وبدورها تكرر رئيسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر ميريانا سبولجاريك إيغر، الدعوة العاجلة لحماية المدنيين بموجب قوانين الحرب، ولدخول المساعدات دون عوائق.
وحسب منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية لين هاستينغز، فإن سيناريو أكثر دراماتيكية بدأ يظهر، لأن الشعور بالعجز يؤثر على المنظمات الدولية التي لم تعد قادرة على تقديم الحد الأدنى من المساعدات للسكان.
الى ذلك، تستذكر فرح رحلتها المؤلمة من شمال قطاع غزة إلى جنوبه، حيث لجأت عائلتها فرارا من العدوان. وهناك، ومنذ اللحظة الأولى التي أبصرت فيها النور، كانت فرح تعيش في أكبر سجن مفتوح بالعالم.
ونشره موقع "ميدل إيست آي"- رواية مأساة سكان غزة متمثلة في هذه الطفلة الصغيرة التي تبلغ من العمر 12 عاما.
وتروى صحفية في مقال للموقع أنها لا تستطيع أن تصدق أن هذه الفتاة على صغر سنها عاشت أهوال 3 حروب صهيونية على غزة، وأصبحت تعرف عن الحرب أكثر مما تعرف عن السلام.
وتتابع فرح الأخبار وتعرف أسماء السياسيين الفلسطينيين والصهاينة كما درست اتفاقية جنيف الرابعة وقوانين الحرب. وحتى المشاهد التي تصفها كفيلة بأن تملأ قلب أي طفل بالخوف والحزن، لكن ليس قلب فرح.
واليوم تبدو فرح غير مبالية بالأهوال المستمرة. وهذا هو حال العديد من الأطفال في غزة الذين أصبحت هذه المشاهد طبيعية بشكل مخيف.
وتحكي فرح كيف قصف منزلهم لكنها لا تتذكر التاريخ تحديدا، ولم تعد تعرف أيام الأسبوع، وكل ما تعرفه أنهم كانوا في حرب مضى عليها شهران الآن.
وتقول إنها كانت تعيش بالقرب من مستشفى القدس بمنطقة تل الهوى في غزة. وقرر والدها أن يذهب الجميع إلى المستشفى، معتقدين أن المكان سيكون آمنا.
ولم يتمكنوا في البداية من الذهاب إلى الجنوب لأن والدها لم يجد مكانا يقيمون فيه، وكانوا خائفين على أي حال بعد رؤية مقاطع فيديو لأشخاص قتلهم جنود الاحتلال أثناء فرارهم. كما قضى بالجنوب بعض ممن كانوا يعرفونهم من الشمال.
وتروي فرح أن تجربة العيش في المستشفى كانت مروعة، وأنها شعرت كما لو كانت تنتظر الموت، وأن الجميع هناك كانوا خائفين. وقالت إنها نامت مع أختها (16 عاما) في ممرات الطابق العلوي مع النساء، بينما بقي والدها وأخوها في الطابق الأرضي مع الرجال.
وكان الليل أكثر الأوقات رعبا خاصة عندما يبدأ جيش الاحتلال بقصف محيط المستشفى.
وتقول فرح إن الدبابات الصهيونية بإحدى الليالي بدأت تحاصر المستشفى ولم يتمكن أحد من النوم ولو لثانية واحدة. وما إن طلت فتاة صغيرة من النافذة حتى عاجلها قناص صهيوني برصاصة فقتلها، وماتت أمام الجميع.
وعلقت فرح على ذلك بأن هذه كانت المرة الأولى التي رأت فيها شخصا يموت أمامها. وكانت أم الطفلة الشهيدة تصرخ طوال الليل، ولم يجرؤ أحد على الاقتراب من النافذة بعد ذلك. وبكت في تلك الليلة أكثر من أي وقت مضى.
وتقول فرح إنهم درسوا كل شيء عن النكبة الفلسطينية عام 1948. وشاهدوا الأفلام عن طرد الفلسطينيين وقتلهم. وعلموا بالمذابح التي وقعت في القرى. وشعرت أنها الآن تعيش نفس هذه القصص في الواقع.
وعلقت بأنه من المحزن أن تكون قصتهم من دروس التاريخ. واستطردت متسائلة: هل سأكون مثل هؤلاء الجدات وأحكي لأحفادي كيف اضطررنا إلى الفرار من مدننا لأنهم كانوا يقتلوننا؟
تمضي فرح في حكايتها بأنه سمح لهم أخيرا بالخروج من المستشفى. ومع إشراق الصباح سلكوا شارع صلاح الدين مع المئات، كما أمرهم الجنود الصهاينة. وساروا وقتا طويلا من التاسعة صباحا حتى الثانية بعد الظهر.
وشعرت أن قلبها سيتوقف في أي لحظة من التعب. وأحيانا كانت تغمض عينيها وهي تمشي على أمل أن ما يحدث ربما كان حلما وليس حقيقة. ولكنها كانت تريد أيضا إبقاء عينيها مفتوحتين، تحسبا لقيام الجنود بإطلاق النار على والدها أو أخيها.-(وكالات)