مقبرة الجنود المصريين: روايات قادة عسكريين تكشف تفاصيل ما حدث في اللطرون غربي القدس

تشير التقاير إلى وجود مقبرة لجنود الصاعقة المصريين في اللطرون
تشير التقاير إلى وجود مقبرة لجنود الصاعقة المصريين في اللطرون

ظل متنزه "ميني إسرائيل" بمستوطنة نحشون بالقرب من اللطرون، غربي مدينة القدس، معروفا كحديقة سياحية مقامة على مساحة شاسعة، قبل أن يظهر تقرير في وسائل إعلام إسرائيلية أخيرا يفيد بوجود مقبرة جماعية أسفل مرآب المتنزه لجنود مصريين قتلوا حرقا قبل 55 عاما.

اضافة اعلان

كشف الصحفي الإسرائيلي يوسي ميلمان عن هذه المقبرة في تحقيق قال لبي بي سي إنه بدأه قبل منذ سنوات طويلة لكن "الرقابة العسكرية الإسرائيلية منعته من نشر نتائجه في السابق قبل أن توافق هي نفسها على النشر أخيرا".

وكانت الرقابة العسكرية قد رفعت السرية عن هذا الأمر بمرور 55 عاما، مع تفاصيل عدة يشير بعضها إلى حرق الجنود المصريين أحياء.

أفاد تحقيق مليمان بوجود مقبرة جماعية لنحو 80 جنديا مصريا تعود إلى حرب عام 1967. وأضاف أن أكثر من 20 جنديا منهم أُحرقوا أحياء، ودفنهم الجيش الإسرائيلي في مقبرة واحدة، لم يتم وضع علامات عليها، في مخالفة لقوانين الحرب

وبحسب التقارير، فقدت قتلت قوات إسرائيلية الجنود المصريين، ثم دفنتهم سرا في اللطرون التي شهدت معارك بين الجيش الإسرائيلي والجنود المصريين خلال الحرب.

مقبرة جنود الصاعقة المصريين في اللطرون
إسرائيل أكدت لمصر أنها سوف تحقق فيما كشف عن المقبرة

يقول ميلمان لبي بي سي إن "ما نعرفه هو أنه في تلك البقعة من الأرض التي لم تكن مملوكة لأحد في ذلك الحين كانت هناك كتيبتان، الأولى نجحت في الإخلاء شرقا خارج مدى إطلاق النار والقذائف، فكان أفرادها آمنين نسبيا ولم يشتركوا في المعركة. أما الثانية - أو أغلب أفرادها - فوجدت نفسها في قلب المعركة".

ويضيف: "هربت بعض القوات المصرية، وأُسر البعض. وقاتل البعض بشجاعة. عند نقطة معينة، أطلق جيش الدفاع الإسرائيلي قذائف هاون وأضرمت النيران في آلاف الدونمات غير المزروعة من الأدغال البرية في الصيف الجاف".

لماذا كُشفت القصة؟

زئيف بلوخ كان شاهدا على ما حدث، إذ كان قائد القوات الإسرائيلية في منطقة اللطرون خلال حرب 1967. ونُقل عنه قوله إن جرافة إسرائيلية دفنت، في اليوم التالي، الجثث في مقبرة جماعية حفرت للجنود المصريين.

وفي روايته لبي بي سي، يقول بلوخ إن المعلومات التي توفرت لديه أشارت إلى أن الجنود المصريين جاءوا فيما بدا في اليوم السابق على الواقعة غير منظمين ولم تكن معهم خرائط أو مرشدين أو أدوات استطلاع.

وقال إنه تكشف للجنود الإسرائيليين أن هناك جنودا (من المصريين) في الوادي، فصوبوا النيران عليهم وتمكن بعضهم من الفرار وحوصر الباقون في المنطقة، التي صارت لاحقا متنزه "ميني إسرائيل".

ويضيف بلوخ "بقي جزء من الجنود المصريين في المنطقة العازلة وهي منطقة غير ممهدة، بها كثير من العشب والأشواك الجافة، ونتيجة لإطلاق النار والقذائف اشتعلت النار في المنطقة. وحسب تقديري لم ينجح حوالى عشرين جنديا مصريا وربما أكثر في الفرار من النيران. وبعد أن انطفأت النيران صدرت لنا تعليمات بجمع الأشلاء ودفنها في قبر جماعي".

ويؤكد كل من ميلمان وبلوخ أن السبب في كشفهما للقصة "هو تعريف الناس بأن هناك جنودا مدفونين في المكان دون التعريف بهوياتهم أو وضع علامات على قبرهم".

زئيف بلوخ
القائد العسكري الإسرائيلي زئيف بلوخ خدم بمنطقة اللطرون إبان فترة حرب 1967

في 31 مايو/آيار عام 1967، وقعت مصر والأردن اتفاقية للدفاع المشترك تقضي بأن ترسل مصر إلى الأردن، ومنها إلى الضفة الغربية، كتيبتين من قوات الصاعقة المصرية في محاولة للسيطرة على المطارات التي تنطلق منها الطائرات الإسرائيلية والقريبة من مناطق الضفة.

وبحسب ما ذكره الفريق أول محمد فوزي، وزير الحربية المصري الأسبق الذي شغل أيضا منصب رئيس الأركان عام 1967في كتابه "حرب الثلاث سنوات. 1967- 1970"، زار الفريق عبد المنعم رياض، نائب القائد العام للقوات المسلحة المصرية في ذلك الوقت، الأردن في الأول من يونيو/حزيران لتنسيق هذه المهمة.

"تاهت منا المهام"

في تلك الفترة، استدعي النقيب مختار الفار للانضمام إلى مجموعة قتالية مصرية توجهت إلى الأردن ومنه إلى قواعد في الضفة الغربية.

يقول الفار، أحد مؤسسي قوات الصاعقة المصرية وهو الآن لواء متقاعد، لبي بي سي إن مجموعته ترجلت من الضفة بأسلحة خفيفة إلى مناطق بإسرائيل لمهاجمة المطارات التي تنطلق منها الطائرات الإسرائيلية، تنفيذا للاتفاق المصري والأردني.

يضيف الفار ، 82 عاما، أنه كان قائدا لدورية تضم بين 70 و 100 فرد ضمن عدة دوريات اقتربت من عشرة أُرسلت إلى المنطقة حسب الاتفاق.

ويروي أن المعركة لم تستمر طويلا، إذ سرعان ما اكتشف أن المرشدين الذي رافقوا تلك الدوريات من الأردن مرورا ببلدات الضفة الغربية صوب غرب المناطق الإسرائيلية كانوا يجهلون الطرق وليس معهم خرائط أو معلومات عن المسارات الصحيحة وآخر عهدهم بتلك البقاع هو عام 1948.

ويضيف "لقد كانت هناك خيانة من الأدلة (المرشدين). كان مع كل دورية دليلان أو ثلاثة، بيد أنه مع الاقتراب من المناطق المستهدفة فروا جميعا في توقيت واحد بمن فيهم أحد دليلين كانا معي. وقبضت على الآخر".

ويردف الفار: "بعد دخولنا الأراضي المحتلة تاهت منا المهام التي جئنا من أجلها وكانت جميع الاشتباكات عشوائية، جرت اشتباكات لغرض الإغارة والحصول على مؤنة الخصم للبقاء على قيد الحياة".

وبخصوص ما يتذكره عما يُروى عن مقبرة جماعية في اللطرون، قال: "علمت في يوم 17 يونيو/حزيران من الجنود الناجين من دورية كان يقودها ضابط يسمى مدحت الريس أنه جرى معه اشتباك في يوم 6 يونيو/حزيران مع ما يزيد على مئة مدرعة ومئة دبابة كانت متجهة إلى احتلال الضفة الغربية.

ليست هناك جهة يمكن التحقق منها مما إذا كانت هذه الدورية إحدى المجموعتين اللتين أشير إليهما في التقارير الإسرائيلية في اللطرون. لكن كل ما يتردد يشير إلى أن بعض جنودها قتلوا ودفنوا في المنطقة.

مختار الفار
اللواء متقاعد مختار الفار أحد مؤسسي قوات الصاعقة المصرية كان ضابطا برتبة نقيب في تلك الفترة

ويضيف: "حدث اشتباك مع الدورية (دورية الريس) فأصيب منها 30 فردا هم ثلث القوة، بينما تمكن القائد من الفرار بالباقين وتنفيذ إغارات حتى عودتهم في 17 يونيو/حزيران إلينا في القاعدة في قليقلة... أما المصابون فحاصرتهم الدبابات وقتلوا".

وعن تقارير المقبرة الجماعية، رجح الفار أن تكون الجثامين الثمانين المذكورة "لجملة قتلى اشتباكات متفرقة"، مشيرا إلى أن قصة حرق الجنود" جديدة بالنسبة له كسلوك إسرائيلي"، لكنه "اعتاد من القوات الإسرائيلية في مناسبات سابقة القتل والدفن أحياء لخصومهم، خصوصا إذا كانوا كبدوهم خسائر بشرية".

وأشار الفار إلى عودته وجنوده إلى مصر بخسائر بسيطة بعد نداء وجهه عبر الإذاعة بضرورة عودة مجموعته إثر الخسائر التي تكبدتها الجبهات المختلفة في تلك الأيام.

يقول الفريق أول محمد فوزي في كتابه "عند إتمام الاتصال بطرف الصراع الآخر (إسرائيل) بواسطة الصليب الأحمر الدولي، استطعنا حصر الشهداء والمفقودين والأسرى المصريين ( في حرب 67) . كان الرقم الإجمالي هو 13600 فرد عاد منهم 3799 فردا أسرى بينهم 471 ضابطا 3280 جنديا و 38 مدنيا تمت مبادلتهم مقابل 219 إسرائيليا في عام 1968. أما بقية المفقودين، وعددهم 9800 مفقود، فقد ظل التعامل معهم قانونًا كأنهم أحياء، حتى سنة 1971 عندما أعلن استشهادهم".

استعادة الرفات

أثار الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قضية المقبرة الجماعية، في اتصال هاتفي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي المؤقت يائير لابيد.

وقال لابيد إنه أوعز إلى سكرتيره العسكري بفحص هذه القضية بشكل جذري وإطلاع الجهات المصرية على المستجدات. وتعهد "بأن مكتبه سيفحص تقارير عن تلك المقبرة الجماعية التي تقع وسط إسرائيل".

وكلفت مصر سفارتها في تل أبيب بالتواصل مع السلطات الإسرائيلية "للمطالبة بتحقيق لاستيضاح مدى مصداقية المعلومات وإفادة السلطات المصرية بشكل عاجل بالتفاصيل ذات الصلة".

لم يكن الاهتمام في مصر بالكشف الإسرائيلي رسميا فقط.

فقد طالبت مؤسسة "مجموعة 73 مؤرخين" الجهات المعنية في مصر بالعمل على استعادة رفات الجنود الذين تقول الوثائق الإسرائيلية إنهم دفنوا في المقبرة الجماعية.

وأبدت المجموعة، التي تصف نفسها بـأنها مؤسسة ثقافية لتأريخ بطولات الجيش المصري وللدراسات الاستراتيجية، استعدادها للمشاركة في فريق تشارك فيه هيئة عمليات القوات المسلحة والمخابرات العسكرية والخارجية المصرية لتحقيق هذا الهدف.

وطالبت، في بيان، باعتذار رسمي إسرائيلي للشعب المصري عما وصفتها بعمليات القتل الممنهج للأسرى المصريين في حروب 56 و67و73". وقالت إن لديها "وثائق وشهادات حية" تؤكد وقوع هذه الجرائم.

ويتوقع خبراء مصريون أن تفي إسرائيل بوعدها بالتحري في الأمر وموافاة الجانب المصري بالنتائج، ولكن دون مشاركة مصرية في تلك التحريات.

يقول اللواء أركان حرب متقاعد ناجي شهود لبي بي سي إن "ملابسات الوفاة لا يستطيع أحد التكهن بها إلا بعد خروج نتائج التحقيق الإسرائيلي الذي تتابعه الخارجية المصرية مع السلطات الإسرائيلية".

وتوقع أن يخضع الأمر خلال أسابيع قليلة للتحقيق بعد إثارته أمام الرأي العام وتدخل قادة البلدين. ويضيف " إذا لم تٌعلن مجريات التحقيق في الإعلام، سيكون هناك تنسيق بين الجهات المعنية في البلدين".

وقال أستاذ العلوم السياسية طارق فهمي إن الأمر ليس باليسير لأن أي إجراء إسرائيلي في هذه الاتجاه سيأخذ وقتا وطابعا سريا لبعض الوقت لأن الأمر يمس "سمعة الجيش الإسرائيلي".

وأضاف فهمي لبي بي سي أن "الكشف عن الأمر بعد 55 عاما على الواقعة ورفع السرية عنه من قبل الرقابة العسكرية الإسرائيلية يثير علامات استفهام. وربما تكون هناك تجاذبات بين القوى السياسية الإسرائيلية مع وجود رئيس وزراء جديد في مرحلة انتقالية، والتوجه لانتخابات جديدة".