هل قايضت واشنطن الاحتلال بعدم توسيع المواجهة مع إيران مقابل موافقتها لاجتياح رفح؟

دخان يتصاعد من منازل قصفها الاحتلال في رفح أمس - (وكالات)
دخان يتصاعد من منازل قصفها الاحتلال في رفح - (وكالات)
عواصم- مع عزم الاحتلال على الدخول إلى رفح يرى محللون أنه تحت الطاولة جرت صفقة بين واشنطن وتل أبيب وافقت خلالها الاخيرة على عدم توسيع رقعة المواجهة مع ايران تجنبا لحرب إقليمية مقابل ضوء أخضر لتنفيذ عدوان إسرائيلي بري على محافظة رفح.اضافة اعلان
يأتي ذلك وسط تعثر المفاوضات لتبادل الأسرى بين حركة المقاومة الإسلامية (حماس) والاحتلال الإسرائيلي، بسبب استمرار الخلافات حول قضايا رئيسية في الصفقة، خصوصا بعد تبادل الضربات بين الاحتلال وإيران.
ومع تكرار رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو في خطاباته المتتالية أن النصر الكامل في غزة لن يتحقق بدون احتلال رفح، والقضاء على كتائب المقاومة الفلسطينية في المدينة، رأت الادارة الاميركية، ان اجتياح رفح أهون الشرين في التأثير على فرص بايدن في الانتخابات الأميركية المقبلة.
بيد أن التحرك المرتقب تجاه رفح لا يأتي على قاعدة نجاح إسرائيل في تحقيق الانتصار على المقاومة في شمال قطاع غزة ووسطه وفي خان يونس، إذ ما تزال المقاومة تخوض معارك ضارية في عدد من المناطق مع جيش الاحتلال.
ورغم ادعاءات كيان الاحتلال على لسان نتنياهو والناطق العسكري أن الجيش تمكن من تدمير ثلاثة أرباع كتائب عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة حماس، وأنه تم القضاء على غالبية الكتائب ولم يتبق إلا 4 كتائب في منطقة رفح، لكن عضو لجنة الخارجية والأمن بالكنيست عاميت هاليفي، فند ذلك كله، حين قال إن كل الكتائب الـ24 التي يتشكل منها الجهاز العسكري لحماس في غزة ما تزال نشطة.
ويؤكد تلك التصريحات اضطرار جيش الاحتلال لسحب الفرقة 98 بألويتها الثلاثة من مدينة خان يونس، إثر تنفيذ كتائب القسام "كمين الأبرار" في منطقة الزنة، الذي أسفر عن مقتل 14 عسكريا من الاحتلال هناك.
وهذا يعني أن قوات الاحتلال لا تتمتع بالسيطرة الميدانية في المناطق التي احتلتها، مما دفعها للانسحاب من كافة المناطق التي سبق واحتلتها في غزة، مع إبقاء الفرقة 162 ولواء ناحال في محور نتساريم الذي يفصل شمال قطاع غزة عن جنوبها، فضلا عن وجودها على طول المنطقة العازلة التي تم إنشاؤها على امتداد غزة.
ويأتي استمرار إعلان نتنياهو ووزير دفاعه يوآف غالانت ضرورة تنفيذ اجتياح لرفح، رغم تزايد احتجاجات أهالي الأسرى الإسرائيليين لدى المقاومة ومطالبتهم بضرورة وقف الحرب للسماح بتحرير أبنائهم قبل أن يقتلوا بسبب الغارات والهجمات الإسرائيلية على المقاومة، في حين اتسعت رقعة الاحتجاج لتشمل المطالبة بإسقاط حكومة نتنياهو وإجراء انتخابات جديدة بسبب فشل هذه الحكومة في هزيمة حماس وتحرير الأسرى.
وكانت الإدارة الأميركية قد طالبت قبل الهجوم على رفح بتأمين المدنيين الذين يتكدسون في المدينة، لأن من شأن ذلك أن يؤدي لارتكاب مذابح ستقضي على ما تبقى من شعبية الرئيس جو بايدن على أبواب الانتخابات الأميركية، فضلا عن إثارتها لحلفاء الولايات المتحدة بعد تعالي أصواتهم بوقف الحرب.
إن فشل الاحتلال في تحقيق هدف القضاء على حماس الذي تتشارك فيه مع الولايات المتحدة وانقضاء عدد من المهل الزمنية التي حددها بايدن لنتنياهو بدون إنجاز هذه المهمة، هو ما دفع ويدفع الإدارة الأميركية لمطالبة نتنياهو بالامتناع عن أي فعل عسكري سيؤدي لخسائر كبيرة في صفوف المدنيين.
وبعد رد إيران على مقتل 7 من قادتها في القنصلية الايرانية في دمشق بوابل من الصواريخ والطائرات المسيرةأراد نتنياهو أن يستثمر أجواء التعاطف من قبل الغرب، فعمل على التأكيد على التجهيز للعدوان على رفح، وذلك بعد أن خاض قادته العسكريون محادثات مكثفة مع الأميركيين جرى خلالها عرض خطة لإخلاء المدنيين من رفح.
مصادر مصرية ذكرت أن تل أبيب أبلغت القاهرة بنية احتلالها رفح، وأن الخطة ستعتمد على ما وصفته بـ"أسلوب الإزاحة"، عبر تقسيم رفح إلى مربعات، واستهدافها تباعا بهدف دفع الموجودين هناك إلى النزوح نحو خان يونس ومنطقة المواصي.
ويلاحظ أن قوات الاحتلال تشن الآن استهدافات مكثفة لمناطق محددة على طول محور صلاح الدين (فيلادلفيا) مع مصر كاستعداد لمهاجمة هذه المنطقة بريا واحتلالها مع معبر رفح.
ويرجح أن عملية الاحتلال في رفح لن يتم تنفيذها قبل انتهاء أعياد الفصح اليهودية التي تمتد لنهاية الشهر، فضلا عن الحاجة لإكمال استعدادات جيش الاحتلال.
ولكن هذه المهمة لن تكون سهلة أبدا على جيش الاحتلال التي استهلكت في جولات الحرب. كما أن استدعاء فرقتين من الاحتياط غير المحترفين لن يشكل إضافة نوعية ولا عددية لها، فضلا عن أن إجبار السكان على المغادرة يستدعي تنفيذ مجازر كما حصل في شمال غزة، وهو ما لا يبدو أنه متاح للاحتلال بشكل واسع هذه المرة. إضافة إلى ذلك، فإن خطط الاحتلال تفتقد لإستراتيجية واضحة لإنهاء الحرب، كما أكد عدد من الخبراء العسكريين في الكيان نفسه، فهي تعتمد على التجربة والخطأ، فضلا عن فشل هذه القوات في تحقيق انتصارات على المقاومة في المواجهات المباشرة معها.
إن افتقاد الاحتلال لورقة استهداف المدنيين المكثف التي يستخدمها للي ذراع المقاومة، سيؤدي إلى فشله في تحقيق إنجاز حقيقي أمام قوات مقاومة تتمتع بروح معنوية عالية جدا، ولا تزال في أعلى جاهزية لأنها لم تشارك في الحرب حتى الآن، في مواجهة جيش منهك سيكون عرضة لكمائنها القاتلة.
وعلى الأغلب، ستتجنب المقاومة التصدي المباشر للاحتلال حتى لا تخسر عناصرها، وقد تلجأ للكمائن في الأنفاق الهجومية ومباغتة قوات الاحتلال واصطياد جنودها.
وإذا لم تنجح مفاوضات الأسرى في تحقيق أي إنجاز والوصول لهدنة 42 يوما، فإن اجتياح رفح سيكون هو الحدث التالي، ولكن وفي ضوء مسار الحرب، فإن قوات الاحتلال التي لم تحقق أهدافها بالقضاء على حماس واستعادة الأسرى، فإنها لن تتمكن من إنجاز ما عجزت عنه خلال 200 يوم مضت.
ويرى خبراء أنه ولا يبدو أن فسحة الوقت المتاحة للكيان ليست كبيرة، فهي قد لا تتجاوز الأسابيع حتى تتدخل إدارة بايدن لمطالبتها بإنجاز صفقة تبادل ستؤدي في منتهاها لوقف الحرب وانسحاب قوات الاحتلال من غزة والقبول بواقع استمرار حماس في الوجود في المعادلة السياسية المقبلة، كما هي القناعة الأميركية الآن.
إن عين إدارة بايدن على إنجاز تطبيع مع الدول العربية، يتطلب وقف العدوان في نهاية المطاف، والانسحاب الإسرائيلي، والحيلولة دون تطور الأوضاع إلى حرب إقليمية، تلك الاوضاع تتناقض مع رغبة واشنطن في التفرغ للصين والحرب في أوكرانيا، والاتفاق على ترتيبات ما بعد العدوان، من بينها قبول الاحتلال بمبدأ الدولة الفلسطينية الشكلية والمنزوعة السلاح. وهذا الإنجاز يستطيع أن يحمله بايدن كورقة مهمة تعزز مكانته في انتخابات الرئاسة في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل.
ويرى كثير من المحللين حتى من داخل الكيان المحتل أن جيش الاحتلال لن ينجح في كسر شوكة المقاومة، حتى وإن احتل رفح، بل إن فشله سيتعزز، ورغم ذلك سيستمر نتنياهو بالزعم أنه أنجز نصرا، وإنه نجح في القضاء على كتائب المقاومة.-(وكالات)