"طوفان الأقصى" تحدد مستقبل حكومة الاحتلال المتطرفة

Untitled-1
طوفان الأقصى

بدون أي مقدمات مسبقة، تشي بأن هناك عملا إستراتيجيا للمقاومة، جاءت عملية "طوفان الأقصى"، لتباغت إسرائيل، بضربة عسكرية على يدي المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة منذ فجر أمس، لتضيف الى ما يعيشه الاحتلال من توتر داخلي يتصاعد في كل يوم في قلب حكومته وبنيته السياسية والاجتماعية، حالة من الترقب والحذر، تنبي بتفاقم الانقسام الإسرائيلي، وقد يصل إلى بدايات معقدة في تداعياتها على بنية حكومة بنيامين نتنياهو، التي حصلت على الحد الأدنى من المقاعد، بعد عدة عمليات انتخابات للكنيست في وقت قصيرة جدا.

اضافة اعلان


وحتى اللحظة، ما تزال حكومة نتنياهو تحت وقع الصدمة، ولم تلتقط أنفاسها أمام تداعيات عملية المقاومة النوعية أمس، في كل تفاصيلها، وتكتيكاتها العسكرية والسياسية، وهو يحمل في تداعياته، تأزيما حادا في الحكومة والمجتمع الاحتلالين، قد يؤدي إلى ما هو أبعد من الانقسامات الداخلية، وتفسخ أساسات الدولة المحتلة. 


ويرى مراقبون ان "طوفان الأقصى"، ضربة استثنائية في تسببها بارباك الكيان المحتل، ووضعه أمام استحقاقات، قد تسهم في أولى المراحل، بإسقاط حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة، ومن ثم ستتداعى تبعاتها الى حدود ما تزال، تفوح منها رائحة اختلاق صدام عسكري مدمر مع القطاع، لكن هناك تخوفا شديدا من الإقدام عليه.


وقال المراقبون في تصريحات لـ"الغد"، إن ما حدث، تطور إستراتيجي كبير جدا في عمل المقاومة، مؤكدين ان موضوع الامن بالنسبة للمحتل، يحدد شكل الحكومة السياسية، ما يعني تحولا نوعيا ستدفع هذه الحكومة ثمنه في التوقيت الحالي.


أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأردنية د. محمد مصالحة، بين ان طوفان الأقصى ضربة موجعة، حققتها المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال، وكشفت أن الفلسطينيين يقاتلون من اجل تقرير مصيرهم وحقهم بإقامة دولتهم، وبالتالي يرفضون استمرار الاحتلال والاستيطان، وتدنيس مقدساتهم في الاقصى والقدس وغيرها من الاماكن المقدسة الاخرى. 


وأضاف مصالحة، أن المباغتة التي حققتها المقاومة في جنوب إسرائيل، واستيلاءها على مستوطنات الحزام الدائري حول القطاع، تسهم بإسقاط الحكومة الإسرائيلية المتطرفة التي يقودها نتنياهو، ووزراؤها المتطرفون، وتدفعهم لأن يدركوا بأن العنف والقوة المسلحة، لا يمكنهما تأمين أي سلام، فـ"السلام مقابل السلام" بات مرفوضا، أما "السلام من أجل الأرض" فهو ما ارتكزت عليه المبادرات والقرارات الدولية، التي تقول إن هنالك أرضا لشعب فلسطين المحتلة، على الاحتلال الانسحاب منها، وتأمين شعبها كاملة.  


وقال "أعتقد بأن الداخل الإسرائيلي بات ممزقا. فهناك شروخ في معسكر الحكم وبين الحكومة وشعبها، وبين الجيش والحكومة؛ فالجيش يقذف به لينفذ أعمالا ومهمات لا تضمن السلام لإسرائيل، وحتى اتفاقيات السلام الموقعة، لن تكفي لإقامته، كما قال جلالة الملك المغفور له الحسين طيب الله ثراه". 


وقال المصالحة "على إسرائيل التخلى عن عقلية القلعة، وأن تدرك بان عليها تقديم تنازلات، وأن تعيد الأرض مقابل السلام، وهذا هو شعار العملية برمتها، والمبدأ الذي تأسست عليه عملية السلام، وأي محاولة غير ذلك بما فيها الأميركية لن تحققه، ولن تدفع إسرائيل للتماسك، بعدما شرختها التناقضات".  


وأكد أن اعتماد الاحتلال على التطبيع أو القوة التي يتمترس خلفها، لن يساعد في حل مشكلته، أو تفكيك أزمته، كما أن بنية جيشه بدأت تلوح حالة من تفكك فيها، اذ يطلب من جنوده، تنفيذ مهمات لا شأن له بها، لذا، يجب ان تعيد حكومة الاحتلال الحالية ترتيب أوضاعها، هذا إذا قيض لها أن تستقر والاستمرار بعد عملية طوفان غزة.


وتوقع مصالحة، حصول تفسخ في حكومة نتنياهو بين وزرائها المتطرفين، والاطراف الاخرى التي تريد إحياء عملية السلام، وعلى اميركا، مراجعة سياساتها ايضا، فإسرائيل حاليا تحت وطأة اختبار وجودي؛ صعب وقاس، لم تواجهه ربما منذ حرب تشرين الأول (أكتوبر) عام 1973.


أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الألمانية الأردنية د. بدر الماضي، قال ان ما حدث، تطور إستراتيجي وتحول كبير جدا في عمل المقاومة، فمن مقاومة مدافعة عن نفسها الى مقاومة مهاجرة ومقاومة تخترق العمق الإسرائيلي، بقوة وبسهولة، مؤكدا ان هذا التطور سيكون له انعكاساته السياسية والنفسية والعسكرية على الاحتلال من داخله. 


وأضاف الماضي، أبرز انعكاسات هذا التحول في السياسة كما يعلم الجميع، يكمن في ان حكومة نتنياهو المركبة من احزاب متطرفة ويمينية متطرفة واخرى، مشتبكة مع بعضها، ولا يقبل بعضها ببعض، لكن تحالفات السياسية أجبرتهم على أن يكونوا معا ضمن او تحت مظلة  حكومية واحدة، لذا، ستصبح الملامة مشتركة بينهم حول: من هو المسؤول عما حدث في القطاع؟ ومن هو المسؤول عن الاقتحامات اليومية المتواصلة التي يعاني منها الفلسطينيون في المسجد الاقصى والقدس؟ وهذه ستشكل عبئا كبيرا جدا على اليمين الإسرائيلي المتطرف. 


وبين أن "ما جرى أمس، سيعزز الاستقرار الداخلي السياسي الإسرائيلي، وسيرسل رسالة مهمة جدا الى الأقليم والعالم، بان السياسات الإسرائيلية لم تعد حقيقية، ولا بد لإسرائيل من الاعتراف بحق الفلسطينيين باقامة دولتهم، والعيش بأمن واستقرار كبقية الشعوب. 


ويرى الماضي، بأن هذا الاختراق العسكري صراحة، سيشكل تهديدا كبيرا جدا لاسطورة الجيش الإسرائيلي، بأنه جيش لا يقهر، وأنه يمتلك قبة حديدية فريدة من نوعها، وغيرها، ولكن يبدو بأن جرأة المقاومة العالية، ودخولها للاراضي الفلسطينية التي يسيطر عليها الاحتلال، سيشكل حالة رعب حقيقي أمام الخطط الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية، وان القباب الحديدية او غيرها لم تعد تكفي، فإرادة الانسان لا تقف امامها قبة حديدية أو دبابة أو غيرها.


وبالنسبة للنكسات النفسية التي أحدثتها عملية طوفان الاقصى، فقد أدت لتأثيرات كبرى على "مجتمع المستوطنات الاحتلالية"، وفق الماضي، الذي لفت الى ان هؤلاء المستوطنين يعلمون بأنهم غرباء ومغتصبون، لذا هم يدركوا بانهم لن ينعموا بالأمن والاستقرار بعد هذا الطوفان، فما حدث "تحول كبير جدا، وسيكون له انعكاس على معنوياتهم، فالبعد النفسي مهم جدا في محاربة قوات الاحتلال". 


وأضاف: أعتقد بأن هذه قضايا مهمة جدا، يجب التركيز عليها بأخذ أي مستوى من مستويات التحليل، بالإضافة الى البعد الاقتصادي، والذي حقيقة سيؤثر في الاحتلال على نحو كبير جدا، فبسبب هذه الهجمات المتتالية للمقاومة، واسر هذا الكم الهائل من جيش الاحتلال، وقتل عدد كبير منهم، سيلقي بتأثيرات سلبية كبيرة على معنوياتهم، ما سيسهم بإعادة رسم خريطة التفاوض، والمواجهة العسكرية بينهم وبين المقاومة.


من جهته، يقول المحلل السياسي د. عامر سبايلة، إن عملية "طوفان الأقصى" تحول لافت في الصراع، وسيلقي بظلاله على وضع حكومة نتنياهو التي تزداد ازمتها عمقا، مضيفا أن الامن بالنسبة للإسرائيلي، موضوع يحدد شكل حكومته، وبالتالي الوصول لمثل هذا النوع من العمليات على الارض الإسرائيلية، وليس على القطاع، وهذا يعني باختصار، تحولا نوعيا، ستدفع هذه الحكومة ثمنها.


واضاف "لكن في مثل هذه اللحظات عادة، المجتمع الإسرائيلي لا يحاسب حكومته، لكن أعتقد بأن ما جرى يشكل سابقة نوعية، ولا بد من بان تعيد رسم المشهد الإسرائيلي بشكل كبير".


الخبير العسكري والإستراتيجي جلال العبادي، قال إن الإرادة أقوى من كل الأسلحة، لكن  "طوفان الأقصى" اجتمعت فيها الإرادة، والإدارة معا، مضيفا بأن الأسلحة بدائية وتقليدية، لكنها ضربت الإسرائيليين، وحققت المطلوب منها ، كل هذا حدث برغم أن القطاع محاصر منذ عشرات الأعوام.


وأضاف العبادي، إن جيش الاحتلال حاليا في حالة صدمة، وردة فعله تقتتصر على التحليق في أجواء القطاع، وهذا كله لن يفيد، بل إن المواجهة تكون عندما يقتحم المقاتلون المواقع ويشتبكون من نقطة الصفر، وبمواجهة متكافئة بالأسلحة الفردية، مشيرا الى ان النصر حينها يتطلب تدريبا ومعنويات مرتفعة، وهذه العناصر تمتلكها المقاومة، ويُجيدها الفلسطينيون بينما يفتقد الإسرائيليون لها.


وأعرب العبادي، عن أمله بأن ينضم الفلسطينيون جميعا للمقاومة، ويهبّوا في هذه المعركة، في ضوء محاولات جيش الاحتلال لسحب وحداته من الضفة الغربية وجنوب لبنان.


وحول توقعاته للساعات القليلة المقبلة، قال العبادي، إن جيش الاحتلال، سيكثف هجماته على غزة، فهو الآن في حالة صدمة، لكن خلال ساعات سيفيق منها ويعيد تنظيمه ويشن هجوما لطرد الفلسطينيين، مضيفا أنه، خلال الـ24 ساعة المقبلة، ستصدر قرارات دولية ويحدث وساطات من قيادات أجنبية وعربية للأسف، لوقف هذه العملية.


وأضاف، إن المقاومة حاليا منتشية بالنصر، لكن عليها ألا تلتفت الى الإجراءات السلمية من الجهات الخارجية، وأن تأخذ حقها كاملا بقدر الانتهاكات الواقعة بحق الفلسطينيين من الاحتلال، مبينا أنه على المقاومة إخلاء ما كسبته بأسرع وقت ممكن في أراضيها، والاستمرار بالهجوم ضمن سلسلة متكاملة، بحيث يكون هناك مَن يحارب ومَن يخلي الغنائم في الوقت نفسه.


وحذر العبادي، من أن الجيش الإسرائيلي سيغلق الحدود؛ لذا على المقاومة انتهاز هذه الفرصة الذهبية، وأن تأخذ الغنائم من أسرى وجرحى وآليات ومعدات عسكرية وتُخليها إلى غزة، وهذا بدوره سيدع مجالا للتفاوض على إعادة أسرى المحتل، و"كل مغنم إسرائيلي، ورقة ضاغطة ومفاوضات قوية بيد المقاومة"، خصوصا وأن المحتل، يركع للمقاومة من أجل بعض الأسرى منذ أعوام، موضحا بأن هذه الغنائم، توفر شروطا أفضل في التفاوض للمراحل المقبلة، فقد فاجأت هذه العملية الاحتلال والعالم، وهي تُسجل للمقاومة ولكل عربي ومسلم.


الخبير العسكري اللواء الركن المتقاعد محمود ارديسات قال إن "عملية طوفان الأقصى، حدث غير مسبوق، وعمل تعجز عنه دول"، دفع الجهات الأمنية والسياسية الإسرائيلية للتخطيط للرد عليه.


وحول احتمالية تدخل "حزب الله" اللبناني في هذه المعركة، رجح ارديسات، ألا يحدث تدخل على أرض الواقع؛ نظرا للظروف الحالية التي تحدث في سورية، وارتباط الحزب بالمليشيات الإيرانية في البلاد، مضيفا لا أعتقد بأن يدخل "حزب الله" المعركة، إلا إذا حدث قصف إسرائيلي هائل في غزة، لكن الأرجح بقاؤه في الاستعراض الإعلامي وإصدار البيانات.


وقال "حزب الله" في بيان له أمس، إنه يتابع عن كثب التطورات الميدانية في فلسطين، وإنه "على اتصال مباشر مع قيادة المقاومة الفلسطينية في الداخل والخارج"، مضيفا أن عملية حركة المقاومة الإسلامية (حماس) العسكرية ضد الاحتلال الإسرائيلي "رد حاسم على جرائم الاحتلال المتمادية، والتعدي ‏المتواصل على المقدسات والأعراض والكرامات".


وأضاف لكن إذا أراد "حزب الله" التدخل بالعملية، فإن الوقت الآني هو المناسب؛ لتشتيت انتباه الاحتلال الذي ما يزال في طور الصدمة والتخطيط للرد على هذا العمل، مبينا انه منذ العدوان الإسرائيلي على لبنان في العام 2006، هناك ردع متبادل بين "حزب الله" والاحتلال، وربما يحافظ الحزب على هذه المعادلة.


واستكمل ارديسات إن "نتنياهو أعرب في تصريحاته أمس، عن خشيته من استغلال الموقف من جهات أخرى للمشاركة بهذه المعركة، وأعتقد بأن ما قصده نتنياهو هم الفلسطينيون في الضفة الغربية"، مضيفا "لكن الضفة خاضعة لقيود أمنية من السلطة الفلسطينية التي تُحجم أي عمل ضد الاحتلال، بناء على اتفاقات بينهما، كما أن إمكانياتها بسيطة مقارنة بالمقاومة".


وكان نتنياهو صرح بأن "إسرائيل" ستعزز أمن الحدود لردع الآخرين من "ارتكاب خطأ الانضمام إلى هذه الحرب".

 

اقرأ المزيد : 

غطرسة الاحتلال تنقلب عليه في "طوفان الأقصى"