الأردن ينتقل من إحباط عمليات تهريب المخدرات إلى استهداف أوكارها

1704559957650620100
جانب من إلقاء القبض على عدد من مهربي المخدرات أمس-(بترا)
عمان - غادر الأردن مربع حراسة الحدود، اتقاء شر المخدرات وأخطارها، إلى مربع يهاجم به منابع الآفة لسحق الاتجار بها في المهد، وهو ما تعكسه الخطوات العملاقة التي تتخذها القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي لاجتثاث جذور ومتكأ تجارة المواد المخدرة والمؤثرات العقلية والأسلحة النارية.اضافة اعلان
وتشمل القفزة في الإجراءات الأردنية الصارمة، القاصدين الحدود الأردنية والمخططين للعبور إلى دول الجوار، ما يعني تصعيدا في الحرب الأردنية الشعواء النافذة منذ سنوات، بيد أخذت أخيرا منحنى أكثر حزمًا لدحر هذا الخطر الداهم عن المملكة وشعبها.
وتتنوع أساليب التصعيد الأردني في هذا الخضم، بين رفع الجاهزية والقدرات لقوات حرس الحدود، والمراقبة الدورية الليلية الدقيقة، ونصب كاميرات المراقبة فائقة الجودة والدقة، ويقظة حُراس الوطن وعلى مدار السَّاعة هي الجبهة المتينة والشَّديدة التي يواجه بها الأردن التجار والمخدرات، الذين استغلوا حالة الفوضى في بعض السنوات لدى دول جوار لتصبح المخدرات محمية لديهم بقوة سلاح متطور لا تمتلكه إلا جيوش منظمة.
يقول خبراء أمنيون وإستراتيجيون ومتخصصون بعلم الجريمة لوكالة الأنباء الأردنية (بترا) عقب اشتباك قوات حرس الحدود الأردنية مع أشخاص يمتلكون أسلحة ومخدرات وطائرات مسيرة، إنَّ الأردن غادر مربع حراسة الحدود فقط إلى مربع يهاجم به منابع الخطر ويقتلع ويجفف منابع المخدرات والأسلحة في مواقعها.
وقال اللواء المتقاعد عبدالله الحسنات إن ما يدور على الحدود الشمالية والشرقية هي حرب منذ عشر سنوات بدأت تشهد عمليات تهريب كانت تقتصر على المواد التموينية والدخان في السابق، لكن ومنذ بداية الأزمة السورية 2011 اختلفت نوعية التهريب حيث أصبح بازدياد، والتركيز على تهريب المخدرات خصوصا على الحدود الشمالية.
وأضاف أن السنوات الثلاث الأخيرة شهدت تطورا نوعيا وكميا للمخدرات بشكل كبير جدا، بما يعادل الملايين من أنواع الحبوب، منها الكبتاغون والحشيش وكميات بسيطة من الكوكائين أو الهيروين، ومن الملفت للنظر التطور النوعي الكبير الذي طرأ خلال عامي 2022 - 2023، وهو الازدياد الكبير في عدد الأشخاص المهربين بالعشرات ونوعية التهريب، وما يرافقه من أسلحة نوعية (ميم دال).
وقال إن هذه الأسلحة متوسطة الحجم، وهي بالمفهوم العسكري تستخدم ضد الآليات والمدرعات لمقاومة حرس الحدود من أجل إدخال المخدرات وكميات كبيرة، إذا ما تم إدخالها وتسليمها الى تجار المخدرات في الداخل الأردني إما للمتاجرة بها او إعادة تصديرها للخارج، بالإضافة إلى إيجاد حواضن مسلحة للمخدرات، مؤكدا التطورات الخطيرة في الجانب الشمالي.
وتابع الحسنات موضحا أن "الجماعات الإجرامية المنخرطة في تهريب المخدرات تتبع مليشيات ومنظمات"، مضيفا أن القصد من تهريب المخدرات هو تهديد الأمن القومي الأردني، ومبينا أن أعدادا كبيرة جدا تقصد الحدود، وبعضها تضليلي، وبعضها رئيسي، من أجل تشتيت انتباه وجهود القوات المسلحة الأردنية.
وأكد أنها عصابات منظمة تهرب المخدرات وتصنعها في مصانعها، حيث إن الإحصاءات تقول بأن عددها 295 مصنعًا في الجانب السوري، ويقوم التاجر بحملها ونقلها إلى المستودعات الأمامية بالقرب من الحدود الأردنية والتنسيق لإدخالها الى الأردن وبحسب ظروف الطقس، وخصوصا في هذه الفترة، حيث تنشط عمليات التهريب في فصل الشتاء حتى بداية فصل الربيع بسبب الطبيعة الجغرافية التي تساعد في عملية التخفي والتستر من خلال الضباب والغبار الكثيف جدا والطيات الأرضية والمناطق الصعبة جغرافيا.
وأوضح أن المهربين لديهم تقنيات حديثة ووسائل استطلاع قوية، منها طائرات درونز حديثة جدا، بالإضافة إلى سيارات مصفحة ومفخخة، وفي المقابل يوجد مستقبِل للمخدرات في الجانب الداخلي الأردني، وهم من يشكل الخطر الأكبر من الخط الخارجي، والجانبان يطلقان النار باتجاه القوات المسلحة الأردنية، وهنا يكون العبء أكبر على رجال الأمن.
وأضاف أن من يحمل المخدرات عبارة عن حمالين وعتالين فقط لا غير، ليس لديهم أي قيمة لدى تجار المخدرات وليس لديهم معلومات عن تجارة المخدرات، مؤكدا وجود مليشيات ومنظمات ترعى هذه العمليات والتي تبلغ عشرات المليارات من الدولارات، إضافة إلى أعداد كبيرة من المصانع الموجودة في الداخل السوري.
وأكد أهمية التركيز على توعية سكان المناطق الحدودية وحل مشكل البطالة والفقر التي تحتضن هؤلاء المهربين، والذين أصبحت المخدرات بالنسبة لهم مكسبا للعيش وسلعة للتداول، حيث أصبح بينهم مروجون ومتعاطون في الأردن.
أما خبير الأمن الإستراتيجي الدكتور عمر الرداد، فقال إن الاشتباكات التي جرت بالأمس جاءت بإطارين، الأول تكتيكي وهو عبارة عن رد فعل مباشر على الضربة التي تلقتها هذه المليشيات أو العصابات يوم الخميس الماضي من قبل طائرات سلاح الجو.
وأضاف أنّ البعد الآخر إستراتيجي للعملية ويشير إلى أن الداعمين والممولين والجهات التي تقف وراء المليشيات لديها إصرار على تهريب المخدرات والأسلحة إلى الأردن تنفيذا لإستراتيجيتها بصنع الفوضى في المملكة.
ولفت الرداد إلى أن هذا الجهد في الحقيقة متواصل وما أجبر الأردن على الاعلان عن هذه المواجهات المستجدة والمختلفة كما ونوعا هو الزيادة في مستوى عمليات التهريب ودخول الأسلحة بشكل واضح، وبالإمكان القول إن العمليات التي تنفذ وتنتج عنها هذه المواجهات لم تعد قضية عصابات محدودة تحاول تهريب المخدرات، ويجري التعامل معها والقضاء عليها أو تحييدها، إنما المسألة أكبر من ذلك.
وأكد أنَّ لدى الأردن موقفا واضحا وثابتا إذ إن المملكة اعتمدت إستراتيجيتها على أساس مواجهة هذه المخدرات بكل إمكانياته عبر تغيير قواعد الاشتباك من خلال الوصول إلى قيادات ورموز عصابات التهريب التي تتبع لمليشيات معروفة.
وبينت أستاذة القانون الدولي العام الدكتورة ساره العراسي أنّ الأردن يعد من الدول التي تنعم بالأمن والاستقرار على مستوى المنطقة ولكن ما نشهده خلال الآونة الأخيرة من أعمال على الحدود الشمالية هدفها زعزعة هذا الأمن والاستقرار.
وأكدت أن ما يقوم به الأردن هو عمل من أعمال السيادة في الحفاظ على أمنه القومي وهو عمل قانوني مشروع، في ظل عدم وجود تنسيق إقليمي للحد من استمرار هذه العصابات المسلحة المهربة للمخدرات.
وفي إطار ذلك دعت العراسي، إلى تنسيق إقليمي بهذا الخصوص وخاصة من قبل دولة المنبع لهذه العصابات بحيث يتم القضاء عليها وعلى آفة المخدرات التي تحاول فيها استهداف الشباب.
ويرى المتخصص في الشؤون القانونية الدكتور سيف الجنيدي، أن الأردن يواجه عبر طول الحدود الشمالية خطر الجرائم المنظمة العابرة للحدود، وعلى وجه الخصوص التدفقات المالية غير المشروعة، وتهريب المخدرات والأسلحة.
وأضاف أن ما يقوم به الأردن اليوم يُسهم في حماية الأمن والسلم الدوليين الذي هو غاية ميثاق الأمم المتحدة، فهذه الممارسات تؤجج الصراعات وتفتك بالقيمة الخالدة للإنسان.
وبين الخبير الأمني والإستراتيجي اللواء المتقاعد هشام خريسات أنّ ما جرى ويجري على الحدود الشمالية من محاولات لتهريب المخدرات والسلاح، يأتي في إطار العمل الممنهج للجماعات القائمة على هذه العمليات، بعد أن شهدت في الآونة الأخيرة تطورا في طريقة التنفيذ.
ولفت الى أن نشاط هذه الجماعات تطور الى عمل منظم تقوم عليه عصابات للتهريب يرافقها عصابات مسلحة لتأمين الحماية لها وتمكينها من عبور الحدود، ما يعد تطورا خطيرا لعبور الحدود بالقوة، واستغلال الحدود غير المنضبطة من الجانب الآخر.
وبين أنَّ قوات حرس الحدود تقوم بدور كبير ومهم في التعامل مع هذه المجموعات من خلال التصدي لها، وقتلها وطردها إلى حيث أتت، مشيرا في هذا الإطار إلى متابعة الأجهزة الأمنية المتخصصة للمتعاونين مع هذه العصابات داخل الأردن، لحماية الأمن والاستقرار والسلم المجتمعي.
وقال إن الرواية الأمنية لما يجري على الحدود شفافة ودقيقة، والتي تشير إلى وجود متعاونين مع المهربين داخل الحدود الأردنية، مؤكدا أهمية التنسيق عالي المستوى داخل المنظومة الأمنية في الأردن للتعامل مع هذه الفئة، مؤكدا ثقة المواطن الأردني بأجهزته الأمنية.
وبين الأستاذ المشارك في علم الجريمة في جامعة البلقاء التطبيقية الدكتور رامي عبدالحميد الجبور، أنه على الرغم من الدور الكبير الملقى على عاتق قواتنا المسلحة الأردنية للحفاظ على الأمن الوطني من أي إعتداءات خارجية تمس أمنه واستقراره نظراً للظروف الإقليمية المحيطة وما نشهده من نزاعات مسلحة وحروب، إلا أن جلالة الملك عبدالله الثاني ما يزال يؤكد على الدوام ضرورة التيقظ والتربص لكل من تسول له نفسه للمساس بأمن الأردن وحياة أبنائه.
وأشار إلى أنَّ القوات المسلحة تواجه وبشكل يومي محاولات اختراق للحدود من قبل عصابات المخدرات التي تحاول إدخال هذه الآفة إلى داخل المجتمع الأردني وحيث أن أضرارها تؤثر على المجتمع، وتسهم في انتشار السلوكيات الانحرافية والإجرامية.-(بترا)