التفاعل الإلكتروني بالمناسبات التاريخية تعزيز للهوية الوطنية عبر الأجيال

Untitled-1
شعار عيد الاستقلال 78

عاماً تلو آخر، يحتفل الأردنيون بذكرى استقلال المملكة؛ التاريخ الذي يمثل حقبة جديدة في حياتهم، وما يزال يتجدد العهد في كل مرة، نحو التمسك بالهوية، والاعتزاز بالتاريخ والحضارة والرؤية المستقبلية.

اضافة اعلان


عيد الاستقلال، عنوان للحرية والمجد في قلوب أبناء الوطن، يترجم بالتفاعل والمشاركة في العديد من النشاطات المنظمة في مختلف المحافظات، إلى جانب التفاعل الإلكتروني الكبير الذي يزين صفحات مواقع التواصل الاجتماعي.


الأردن من أكثر دول العالم استخداماً لمواقع التواصل الاجتماعي، نسبة وتناسبا، وفق عدد السكان، بحيث يلجأ إليها الشباب واليافعون، وممن لديهم القدرة والفرصة للاطلاع على ثقافات الشعوب الأخرى، والتطور الحضاري والمعماري والاقتصادي للكثير منها، والانبهار والإعجاب "غير المدروس" أحيانا بالثقافات الأخرى.


هذا الأمر، بالتحديد، يوجب على الجميع العمل على تعزيز الانتماء للهوية والتمسك بها والافتخار بوجودهم ضمن دولة مستقلة ذات سيادة وتواكب التطور الحضاري والتكنولوجي في العالم.


ذلك يستدعي وجود مناهج تربوية من العائلة في البداية والمجتمع المحيط، لبناء حائط صد منيع ضد كل ما يخدش النظرة الإيجابية للأجيال نحو هويتهم ووطنهم والتمسك بحق الافتخار بها، والانتماء للوطن وبنائه ضمن الإمكانيات المتاحة، وإظهار تلك المشاعر من خلال النقاشات والحوارات التي تحدث بين الحين والآخر عبر مواقع التواصل الاجتماعي.


والدة الطفلة فاطمة، في الصف التاسع، تتحدث بفخر عن ابنتها التي قامت بنشر فيديو عبر حسابها على إحدى منصات مواقع التواصل الاجتماعي، تعبر فيه عن حبها لوطنها ورفع صورة العلم الأردني منذ أيام بمناسبة ذكرى الاستقلال الذي يصادف الخامس والعشرين من أيار (مايو) من كل عام.


وتقول الأم، إن ابنتها منذ فترة قريبة، لاحظت أنها مهتمة بوضع منشورات وصور وفيديوهات، جميعها تتعلق بالوطن، والاعتزاز بهويتها الوطنية، وفي بعضها تشير إلى بعض الجماليات في الأردن، والتطور الذي يحظى به في قطاعات عدة، عدا عن نشرها مقاطع تتضمن أغاني وطنية تعزز حبها للوطن وتنميته في مجتمعها الصغير، المدرسة، والمجتمع المحيط.


ومن خلال الكثير من الحسابات التي يتداولها الأبناء والشباب بين الحين والآخر، يرى متابعون أن هناك من يحاول، من دول أخرى، أن يظهر مدى التطور الذي تصل إليه بلادهم، وآخرون يظهرون تفوق دول على أخرى، وهنا يجب على الشخص أن يعي أهمية أن يكون دائماً في مقدمة المدافعين عن هويته، وإبراز أشكال المحبة والانتماء، من خلال تعزيز ثقافته الوطنية وزيادة المخزون المعرفي لهم حول وطنهم، تاريخه، حاضره، ومستقبله، وكل ما مر به من أحداث تاريخية جعلت من الأردن دولة مستقلة آمنة، في وسط محيط مضطرب.


نجود صفوان، طالبة جامعية، تقول كذلك إن انتماءها الوطني وهويتها الثقافية لم يتأثرا بكل ما تشاهده وتتعرف عليه من ثقافات أخرى من خلال "نافذة الإنترنت"، بل إن ذلك عزز لديها حبها لوطنها، ودوره في المحيط، كما يحدث الآن من موقف إنساني كبير للأردن في الوقوف بجانب الأشقاء المنكوبين في كل مكان، وبخاصة في غزة.


وتعتقد صفوان، أن وجودها ضمن ملايين الناس في منصات مفتوحة دون حدود للمعرفة والاطلاع على الآخرين، قد يكون إذا ما تم استخدامه بشكل صحيح، طريقة للتمسك بالهوية الوطنية وتعزيز الانتماء، والمساعدة في نشر ثقافة الدولة للآخرين، حيث يصنف الأردن من ضمن الدول الأكثر أماناً، ومستوى التعليم لديها في تطور، وتتميز ببيئة حضارية ملائمة، وهذا ما يجعلنا نتمسك بهويتنا ونفتخر بها و"نباهي بها العالم"، على حد تعبيرها.


لذا، تعد المناسبات الوطنية إحدى الطرق التي يتم التعبير من خلالها عن مشاعر الانتماء والفخر بالهوية، والاستقلال، وهذا ما يحرص عليه الآلاف من الشباب الأردني، من خلال نشر "المضامين" المختلفة التي تحاكي الهوية الأردنية في محافل عالمية عدة، مستغلين بذلك تلك المنصات الاجتماعية، وهذا ما يمكن ملاحظته بين الفينة والأخرى وفي مناسبات عدة، كما في مناسبة يوم الاستقلال هذه الأيام، ومن خلال جميع الفئات العمرية، التي تنتمي لعالم "السوشال ميديا".


من جهته، يقول اختصاصي علم الاجتماع الدكتور محمد جريبيع، إن مناسبة الاستقلال هي محطة مهمة في تاريخ الدولة، وهي مسيرة مهمة جداً حتى يتم فيها إعادة شحن الهمم والانتماء والولاء، خاصة ما بين الأجيال الجديدة التي تتوافد كل عام في مسيرة الحياة، ونحن نحتفل بهذه المناسبة باعتبارها أحد الدروس المهمة في حياة الأردنيين، وصفحة في حياتهم التي يجب أن تُقرأ سنوياً ونحتفي بها، ولكننا في الواقع نمارس طقوسها وأبجدياتها بشكل عام ودوري.


ولكن الاستقلال، كما يقول جريبيع، مربوط بمشاعر أبناء الوطن ونظرتهم له، وهي رسالة مهمة لأنها تجدد تلك المسيرة بين أفراد المجتمع الواحد وتعزز الافتخار والاعتزاز بالهوية الوطنية، لكن دائماً هناك تخوفات عديدة، كما يبين الكثيرون من علماء الاجتماع والسياسة بشكل عام، أن هناك دائماً أجيالا تبنى، ومسيرتها وطريقة تنشئتها قد تختلف من واحد لآخر، حيث نرى أن الجيل الجديد، من أطفال وشباب، مختلف بشكل كبير بسبب تأثره بالتكنولوجيا ومواقع التواصل الاجتماعي الافتراضية.


لذا، يعتقد جريبيع أن طريقة التواصل بين الأجيال والتعامل فيما بينهم اختلفت بشكل لافت في التعامل مع قضايا الوطن والمجتمع بشكل عام، وهذا أمر طبيعي، بسبب التغيرات التي تطال المجتمع ذاته والدول كذلك، وتتطور من دولة لأخرى، وأمام هذا الزخم التكنولوجي الهائل جدا على المجتمع، باتت حتى العلاقة مع الآخرين من مؤسسات وأفراد مختلفة لا يمكن مقارنتها بالعلاقات القديمة، وتحولت في غالبيتها لـ"افتراضية".


ولكن على الدولة أن تستثمر هذه التطورات التكنولوجية في تعزيز الانتماء والولاء للوطن، كما يرى جريبيع، وألا يسمح لهذه التغيرات التي يقع تحت وطأتها جميع أفراد المجتمع، أن تغير المسلمات الوطنية، وأن يكون هناك تعزيز لقيمة الوطن وللاستقلال كمحطة مهمة في الدولة، على الرغم من أن لكل مرحلة وجيل أدواته التي يتعامل فيها مع تلك المتغيرات، وأن يكون لدى الدولة بالمقابل أدوات تعزز هذا الانتماء والهوية الوطنية في منهج ونفوس الأردنيين.


وهنا، يؤكد جريبيع أنه لا يوجد خوف تماماً من تأثر الأجيال بطريقة سلبية على هويتهم وانتمائهم، بل أن يكون هناك تطويع لهذه التكنولوجيا لتكون إحدى أدوات الدولة في تعزيز المواطنة، ولا بد أن يكون لدينا إستراتيجيات جديدة تتعامل مع هذا التفاعل وتعاقب الأجيال وتنوعها، وهذا الوعي التكنولوجي أسهم في زيادة الوعي، وباتت الثقافات تسير بانسياب عال بين المجتمعات مع إزالة الحدود "الافتراضية" فيما بينها.


ولكن دائماً يجب أن تكون مؤسسات التنشئة الاجتماعية حاضرة بقوة بيننا بأدوات العصر الجديد، بحسب جريبيع، وأن تظهر تجليات الهوية الوطنية الأردنية بكل شيء، وهذا ما يظهر بشكل متكرر في المناسبات الوطنية مهما كانت طبيعتها.

 

اقرأ المزيد : 

الاستقلال في المئوية الثانية.. الانتقال الكبير نحو التحديث والتنمية