"المسؤولية الطبية".. حاجة لتعليمات توضح الإجراءات

"المسؤولية الطبية".. تعديل ومناقشة تحت ظلال التوصيات
"المسؤولية الطبية".. تعديل ومناقشة تحت ظلال التوصيات

في وقت تتجه أعداد الشكاوى الطبية على مقدمي الخدمة الطبية، الى الارتفاع، بات من الضروري تعديل قانون المسؤولية الطبية والصحية، ليراعي حق مقدم الخدمة والمريض معا.

اضافة اعلان


وتراوح عدد الشكاوى والأخطاء الطبية التي وصلت الى النقابة ووزارة الصحة والقضاء بين 150 إلى 200 العام الماضي، أي أقل من المعدل العالمي، وفق تصريحات لنقيب الأطباء زياد الزعبي لـ"الغد" الشهر الماضي.
وفي مختلف دول العالم، يحق للمرضى الذين عانوا من إصابة أو نتيجة سلبية أثناء العلاج الطبي، مقاضاة مقدم الخدمة الطبية والصحية، جراء سوء الممارسة، والمطالبة بالتعويض، فإن قانون المسؤولية الطبية والصحية رقم (25) لسنة 2018 يأتي ليحاول توحيد المرجعيات القانونية التي تحكم فكرة الخطأ الطبي.


منظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية "أرض"، أعدت دراسة تشير إلى توصيات، ترى أنه يتوجب الأخذ بها، لتعديل القانون وتفعيل إنفاذه.


الخبير في القطاع الصحي والمسؤولية الطبية د. مؤمن الحديدي قال في تصريح لـ"الغد"، إن قانون المسؤولية الطبية بحاجة لنظام وتعليمات للمادة (9)، توضح دليل الإجراءات في التحقيق، داعيا إلى ضرورة تدريب الخبراء وأعضاء اللجنة الفنية العليا في التعامل مع قضايا الشكاوى الطبية.


ولفت الحديدي إلى أن المادة (6) في القانون تحتاج إلى تفعيل، مبينا أنها أساس الأحكام بين الخطأ والصواب، عبر وضع المقاييس والعمل والعلاج الطبي، مضيفا "بدونها أي في حال غياب المقاييس، يكون كل شيء غباش وغير واضح".


واعتبر بأن المتابعة والمساءلة وضبط الجودة، تحتاج جميعا الى إنشاء مجلس طبي قضائي، يضم خبراء للتوجيه والتطوير والمتابعه في إدارة القضايا.


وقال الحديدي، إن صندوق التأمين التكافلي بحسب المادة (17)، يحتاج لإدارة مالية كفؤة، مشيرا إلى أن الصندوق ما يزال معطلا من ناحية التطبيق، ولكنه ساري المفعول قانونا، مؤكدا أن المادتين (7) و(8)، تحتاجان إلى تفسير ووصف واضح لدور الأطباء والتمريض والصيادلة.

 

وشدد على أنه لغاية الآن، لا يوجد سجل وطني بأسماء مقدمي الخدمة من أطباء وأطباء أسنان وصيادلة وممرضين وقابلات قانونيات، وتصنيفهم الفني، مبينا عدم وجود سجل وطني بعدد الأخطاء والشكاوى، بخاصة أن كلا الأمرين وردا في القانون دون تنفيذ.


ويمكن لمتلقي الخدمة، وفق الدراسة، تقديم شكوى تتعلق بالخطأ الطبي أمام 3 جهات وفقا للقانون، أولها: وزارة الصحة، وهي الجهة المسؤولة عن متابعة أداء عمل القطاع الصحي وتنظيمه، والمخولة بتلقي الشكاوى المتعلقة بعمل القطاع الصحي، بما يشمل الشكاوى المتعلقة بوقوع أي تجاوزات أو أخطاء أثناء تقديم الخدمة الصحية، إذ تقدم الشكوى إلى قسم الشكاوى في مديرية الرقابة والتدقيق الداخلي. 


وبحسب القانون، تعتبر النقابات الطبية والصحية، الجهات التي تنظم شؤون مقدمي الخدمة الصحية من أطباء وممرضين وغيرهم، كما أنها تنظم العلاقة بين مقدمي الخدمة ومتلقيها.


وتسمح الأنظمة الداخلية للعديد من النقابات، بتلقي شكاوى ضد أعضائها نتيجة ارتكابهم مخالفة، أو وجود خطأ ما، وهو ما تشير إليه المادة (48) من قانون نقابة الأطباء رقم 13 لسنة 1972، التي تفيد بأن مجلس النقابة من خلال لجنة الشكاوى، ينظر في قضايا المخالفات، في حال تلقي شكوى خطية من طبيب أو مواطن، مقابل رسم يحدده النظام الداخلي للنقابة. 


كما تعتبر النيابة العامة، صاحبة الاختصاص الأصيل بتلقي شكاوى من متضررين، وفقا لقانوني أصول المحاكمات الجزائية رقم 9 لسنة 1961 والعقوبات. 


ويقود هذا التعدد في الجهات المستقبلة للشكاوى، لتشتيت انتباه متلقي الخدمة وتعقيد الإجراءات أمامه، باعتباره الطرف الأضعف في المعادلة، لا سيما في ظل ضعف الوعي القانوني، لدى متلقي الخدمة حول القانون ونصوصه، ومفهوم الخطأ الطبي والآليات القانونية ضمنه.  


ويترتب على هذا التعدد، خلق حواجز تدفع متلقي الخدمة الى التراجع عن تقديم الشكوى في المقام الأول، كما يقود لدى الجهات المستقبلة للشكاوى، إلى خلق ازدواجية وتداخل في الصلاحيات بين الجهات الثلاث، خصوصا أن لهذه الجهات، سلطة النظر في الشكاوى، وإن كانت تختلف فنيا وإداريا من وزارة الصحة ونقابة الأطباء، ومن الناحية الجزائية نيابيا.


وأقر قانون المسؤولية الطبية والصحية، تشكيل اللجنة الفنية العليا بموجب المادة 9/أ، بينما أفادت المادة 9/ج، على أن اختصاصات اللجنة الفنية العليا، تتمثل في النظر بشكاوى مقدمة من متلقي الخدمة، أو ورثته، أو وليه أو وصيه إلى الوزير أو النقابة المعنية بحق مقدم الخدمة، ورفع القرار بشأنها إلى الوزير أو النقابة المعنية، وتقديم الخبرة الفنية في الدعوى أو الشكوى، بناء على طلب الجهة القضائية المختصة.


وعلى الرغم من نص المادة على كيفية تشكيل اللجنة وآليات تمثيل أعضائها واختصاصاتها، إلا أن هنالك مسألتين ما تزالان تثيران الخلاف: الأولى غياب بعض النقابات والمجالس المهنية عن هذا التمثيل، أما الثانية فتتعلق باللجان الفرعية من ناحية التمثيل وآلياته، والجهة المسؤولة عن عملية التعيين والاختيار. 


ثمة حاجة ماسة إلى أنظمة وتعليمات، تسنها الجهات المختصة كوزارة الصحة ومجلس النواب، بهدف تنظيم آليات عمل اللجنة الفنية العليا وتحديدها، وآلية تعيين أعضائها ومعايير اختيارهم وطرقه، وهيكلة اللجنة، وآلية وطبيعة الأعمال والاختصاصات المناطة باللجنة، وآليات تعيين أعضاء اللجان الفرعية ومعاييرها، وطرق اختيار هؤلاء الأعضاء، وآليات الرقابة على عمل اللجنة الفنية العليا واللجان الفرعية من أجل تعزيز الشفافية والنزاهة.  


وتعاني اللجنة في عملها من وجود إشكاليات، بشأن تقديم تقرير الخبرة أمام المحاكم المختصة. 


وبشأن صندوق التأمين ضد أخطاء المسؤولية الطبية والصحية، فإن الحماية تشمل ضمن القانون جانبين، الأول؛ حماية متلقي الخدمة بتقديم التعويض المناسب جراء الضرر الذي لحق به خلال فترة زمنية معقولة، بهدف مساعدته على تجاوز الآثار السلبية للضرر، والثاني؛ حماية مقدم الخدمة بعدم تكليفه بدفع مبالغ، قد لا يكون قادرا على تحملها نتيجة الخطأ الواقع.


وتتمثل أهمية وجود صندوق التأمين ضد أخطاء المسؤولية الطبية والصحية، بتوفيره أرضية حماية، يجري عبرها تعويض المتضررين من الأخطاء الطبية، والتقليل من الضرر الواقع عليهم، كما يسهم وجوده بالتخفيف من الأعباء المادية والوقت الذي يفرضه لجوء مقدم الخدمة للمحاكم المدنية، من أجل المطالبة بالتعويض.


وفي الوقت ذاته، حدد الصندوق طبيعة التعويض، وقيمته وآليات جمعه بصورة تحمي مقدم الخدمة من تحمل العبء المالي وحده، خصوصا في ظل إنشاء نظام محدد لجمع الرسوم من المؤسسات الطبية. 


ويضع عدم تفعيل الصندوق مزيدا من العبء على كاهل مقدم الخدمة، ويترك المرضى وعائلاتهم في حالة شك وغموض. 


وإلى جوار التحديات الأساسية التي تواجه قانون المسؤولية الطبية، ثمة إشكاليات بيئية في سياق القطاع الطبي، تحيط بإنفاذ القانون، وهي لا تشكل عقبة حسب، بل تسهم بتعثر إنفاذ القانون بصورة فعالة لمصلحة مقدم الخدمة ومتلقيها في آن معا.


يصل إجمالي النفقات الصحية في الأردن الى 8.9 % من الناتج المحلي، ومع ذلك تبلغ نسبة المؤمنين صحيا بموجب التأمين الصحي الخاص والعام  67 % من السكان، وفقا لمسح دخل ونفقات الأسرة خلال 2017 و2018.


وعبر سن قانون المسؤولية الطبية، سعى المشرع لتسهيل إجراءات النظر في القضايا المتعلقة بحالات الأخطاء أمام القضاء، إلا أنه وبرغم ذلك، ما تزال هناك مشاكل، تواجه المحاكم من حيث النظر في هذه القضايا. 


تستغرق القضايا المنظورة أمام المحاكم وقتا طويلا، نظرا للأعداد الكبيرة المنظورة منها أمام المحاكم أولا، ولوجود تعقيدات تقنية لدى هذا النوع منها ثانيا، فمجال الطب في القانون، أحد المجالات التي ما تزال بحاجة للمزيد من التطوير والعمل في المنطقة العربية.


يمكن لتطوير الطب القانوني، مساعدة أطباء المستقبل على الامتثال للوائح القانونية الحالية التي تحكم عملهم، والأهم من ذلك، مساعدتهم على إدراك أنهم جزء من نظام اجتماعي أكبر، يمكن ضمنه محاسبتهم على أفعالهم والنتائج التي تترتب عليها. 


ونتيجة طول فترة التقاضي، قد يفضل أفراد الى عدم التوجه إلى القضاء، واللجوء لوسائل أخرى لحل النزاعات، كرفع الشكاوى أمام وزارة الصحة أو نقابة الأطباء، كما أن الخيار الآخر الذي يلجأ إليه، هو القضاء العشائري بصفته بديلا مناسبا وأكثر قبولا، وأقل تكلفة مقارنة بالقضاء النظامي.


ولتطوير قانون المسؤولية الطبية رقم 25 لسنة 2018 وتعزيز إنفاذه، أوصت الدراسة بضرورة إيجاد نظام موحد لتلقي الشكاوى المتعلقة بحالات الأخطاء الطبية، مشددة على أهمية مناقشة فرض 250 دينارا كرسوم على تقديمها للوزارة، بخاصة مع وجود اختلاف حول طبيعتها وماهيتها.


وبشأن إيجاد نظام موحد لتلقي الشكاوى، جرت الدعوة لتعزيز الحوار بين الجهات المختصة، بهدف الدفع نحو الوصول إلى آلية مشتركة بينها لتلقي شكاوى متلقي الخدمة.


وأشارت التوصيات المتعلقة باللجنة الفنية العليا، إلى سن تعليمات وأنظمة دقيقة، تهدف إلى بيان وصف عمل اللجنة، ومعايير اختيار أعضائها وتعيينهم، وآليات صرف أتعاب اللجنة الفنية والخبراء، وآليات ومعايير اختيار اللجان الفرعية، والمدد الزمنية الممنوحة لعمل اللجنة، مع التركيز على دورها الفني، لحماية نزاهتها، وحيادها واستقلالها.  


وحول المعايير الطبية والصحية، أوصي بالرجوع للمعايير والبروتوكولات الطبية والصحية الدولية التي تتبناها المؤسسات والمنظمات الإقليمية والدولية، كمنظمة الصحة العالمية، وترجمتها ودمجها ضمن الإطار الأردني، بما يتناسب مع خصوصية القطاع الصحي. 


كما جرى تأكيد أهمية تفعيل ودعم دور عمل لجنة المعايير بصورة أكثر فعالية، ودعمه لتسريع إقرار المعايير الطبية والصحية، وهو ما يجب أن يستند على المعايير الدولية المعترف بها.


ولم يكن صندوق التأمين ضد أخطاء المسؤولية الطبية والصحية، بعيدا عن بعض التوصيات، كضرورة تفعيل الصندوق باعتباره من الركائز الأساسية لتفعيل القانون وتحقيقه لغايته، خصوصا في ظل وجود قضايا منظورة أمام القضاء، والتي في حال جرى الحكم فيها بالتعويض لها، ستواجه خطر عدم وجود أي جهة أو أموال لتنفيذ هذه الأحكام. 

 

ودعت التوصيات، لوجود إدارة مالية قوية وفعالة ومتمكنة لإدارة الصندوق، خصوصا وأن هناك 180 ألف مقدم خدمة طبية وصحية، يتوجب عليهم دفع الرسوم الى خزنة الصندوق. 


كما أوصي بضرورة التواصل مع: نقابة الأطباء، والمجلسين الطبي العالي، والتمريضي، لطرح دمج مادة تدريبية حول قانون المسؤولية الطبية، ضمن برامج التعليم الطبي المستمر، والتي تعتبر جزءا أساسيا من الساعات الإلزامية لتجديد مزاولة مقدمي الخدمات الطبية. 

 

اقرأ المزيد : 

ورقة قانونية: ضرورة تفعيل بنود بـ"المسؤولية الطبية" وتوفير قواعد مهنية