"المستشفيات العائمة".. "الترانسفير" بلبوس إنساني

بقايا المستشفى المعمداني في غزة بعد قصفه من الاحتلال الهمجي-(وكالات)
بقايا المستشفى المعمداني في غزة بعد قصفه من الاحتلال الهمجي-(وكالات)

لا يألو الكيان الصهيوني الغاصب جهدا في محاولة فرض التهجير قسرا على الغزيين، فبعدما فشل في تمريره سياسيا، إثر الموقف الأردني المصري المشترك، المتصلب الرافض لطرح التهجير حتى كمجرد فكرة، يبدو أن الاحتلال بات يبحث عن طرق بديلة، ينفذ عبرها أهدافه الشيطانية ولو بالتجزئة.

اضافة اعلان


مرحليا، يغلف الاحتلال الوحشي، ومن خلفه حلفاؤه في الغرب، مساعيه لفرض التهجير بلبوس إنساني زائف، عبر دعوات لجلب "مستشفيات عائمة" تستقر على الشواطئ المصرية قرب قطاع غزة، ومن ثم نقل المرضى والجرحى من مستشفيات غزة إليها.


تلك خطوة توصف بأنها سابقة عالمية، تبنى على أساس قلب خطر للمفاهيم، فبدلا من إدخال المساعدات والتجهيزات الطبية والوقود للمستشفيات، يجري الدفع باتجاه تفريغها، في خطوة لا يخفي الاحتلال أنها تهدف إلى تدمير هذه المرافق الحيوية، بحجة أن أسفلها أنفاق تستخدمها المقاومة.


إلى ذلك، يسعى العدوان الوحشي المستمر على المستشفيات والمراكز الصحية في غزة على يد قوات الاحتلال الصهيوني الدموية، إلى فرض سيناريوهات جديدة، تدفع بالأهالي الى النزوح "طوعيا"، بحثا عن العلاج خارج حدود القطاع.


ووفق محللين سياسيين، فإن "فشل الاحتلال بفرض سياسة التهجير القسري على الغزيين، أجبرته على اتباع نهج سياسي جديد، يخلق عبره أزمة إنسانية، تتمثل بنقص الغذاء والماء، ووقف إمداد الوقود للمستشفيات والمراكز الصحية، بل وقصفها أيضا".


ففي الـ17 من تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، استهدفت قوات الاحتلال مستشفى المعمداني، ما أدى لارتقاء 500 شهيد، تلاها في نهاية الشهر ذاته، قصف ليلي على محيط مستشفيات عدة في القطاع، بينها مستشفيا "القدس" و"الإندونيسي".


ولم تتوقف عمليات القصف عند ذلك الحد، بل إن حكومة غزة، أعلنت في الـ3 من الشهر الحالي عن "قصف إسرائيلي مميت، استهدف مدخل مستشفى الشفاء في غزة، بينما أكدت وزارة الصحة في القطاع، استشهاد مواطنين عدة وإصابة العشرات بجروح".


ووفق تصريحات سابقة لوزارة الصحة الفلسطينية، فإن "الانتهاكات الإسرائيلية بحق القطاع الصحي في غزة، تسببت لغاية أول من أمس باستشهاد أكثر من 150 كادرا صحيا، وتدمير 27 سيارة إسعاف، وخروج 16 مستشفى، و32 مركزا للرعاية الصحية الأولية عن الخدمة."


وللمضي قدماً في النهج الجديد للاحتلال، طلب السفير الإسرائيلي في ألمانيا قبيل يومين من "دول أجنبية، إرسال مستشفيات عائمة لتقديم المساعدة في علاج الجرحى الفلسطينيين الذين يُسمح لهم بمغادرة القطاع إلى مصر".


وفي تعليقه على الحرب على غزة، أكد الخبير الاستراتيجي د.عامر السبايلة أن "هنالك تحولا لم يحدث في التاريخ بشأن ما يجري في القطاع، يتمثل بقضية القصف الإسرائيلي غير المحدود، وغير الملتزم زمنيا".


وأوضح أن "اتباع ذلك النهج المستند على القصف غير المحدود، سيخلق أزمة إنسانية معمقة، أخذت عدة أبعاد من نقص في المياه والغذاء والدواء والوقود، وتفشي الأوبئة والأمراض".


وذلك الواقع، من وجهة نظره "يفرض فكرة النزوح القسري عبر البوابة الإنسانية وبشكل حتمي، في ضوء أن التركيز العالمي ينحصر فقط، وبعد مضي شهر على العدوان، بمسألة إدخال المساعدات لا أكثر، وليس وقف الحرب".


كما أن "التوصل لاتفاق حول هدنة إنسانية لتهيئة الظروف المناسبة لإدخال المساعدات، وضمن شروط إسرائيلية تتضمن تحديد جنوب غزة موقع جغرافيا لتلقيها، يفرض حكماً فكرة النزوح من أجل الحصول عليها".


وبرأيه، فإن "نفاذ الوقود من المستشفيات في قطاع غزة، وقصف الاحتلال لمبانيها، ومن ثم خلق بديل مؤقت لها، مثل إقامة خيام طبية لمعالجة الجرحى والمرضى، وتحت إدارة دولية، يجبر الفلسطينيين على النزوح إلى مواقع تلك الأماكن البديلة لتلقي العلاج".


وذلك كله، "يجعل من فكرة النزوح أمرا حتميا، في ضوء أن أدوات عام 1948 طبقت في الـ8 من تشرين الأول (أكتوبر)، لكن الخطر فيها يكمن في العامل الزمني المستند على استمرار القصف وتطويل أمد الأزمة"، تبعاً له.


وكانت كشفت وزارة الصحة الفلسطينية أول من أمس، عن "وفاة عدد من الجرحى في مستشفيات غزة لعدم توافر الإمكانات الطبية ونفاد الوقود"، في قت كان طالب فيه الاحتلال، نهاية الشهر الماضي "24 مستشفى بالإخلاء في شمال القطاع، والتي تبلغ سعتها الإجمالية ألفي سرير".


ويتجه كيان الاحتلال، وعبر تبني سيناريو أولي للدفع "باتجاه ترحيل الفلسطينيين إجبارياً من شمال القطاع إلى جنوبه"، وفق المحلل السياسي ماهر أبو طير.


ولتنفيذ تلك الخطوة "جرى تبني فكرتين، إحداهما تقوم على مبدأ توافقي مع الجانب المصري بهذا الشأن، لكنها قوبلت بالرفض القطعي من القاهرة، والثاني بدفع الغزيين للنزوح من الشمال الى الجنوب، بسبب القصف المستمر، والذي نجح بصورة جزئية"، بحسبه.


ولكن ثمة سيناريو ثان وصفه أبو طير بأنه "الأخطر"، مبينا "أن إسرائيل تتجه من خلاله الى تفريغ الكتلة السكانية في غزة في مناطق الشمال، لتحويلها إلى منطقة عازلة وآمنة، بحيث تعيد بذلك، إنتاج وجه جديد للقطاع ولبنيته الاجتماعية". 


وذلك كله، "يندرج ضمن مخطط استراتيجي إسرائيلي، يقوم أحد بنوده على فرض السيطرة على آبار الغاز الممتدة على طول بحر القطاع"، محذرا من أن "المؤشرات كافة، تشير إلى أن هنالك سيناريوهات تتجه نحوها الأوضاع في غزة، تتسم بمزيد من الخطورة والسوء، في ضوء أن إسرائيل التي بدأت الحرب، لا تعرف كيف ستنهيها، لكونها لم تحقق أي إنجازات في ظل استمرارية فاعلية حماس في القطاع".


ويختلف نقيب الأطباء د.زياد الزعبي مع ما ذهب إليه سابقوه في أن "إنشاء مستشفيات ميدانية وأخرى عائمة خارج القطاع، سيؤدي لتهجير الأهالي طوعا"، مستندا برأيه على أن "عشرين ألف جريح ما يزالون في القطاع، إذ لم يتمكن سوى 150 جريحا من الوصول الى مستشفيات العريش، والمشافي الميدانية في رفح لتلقي العلاج".


وأولئك الجرحى، "وبعد تعافيهم سيعودون للقطاع مجددا، في ظل توجهات بريطانية وأخرى أردنية، لإقامة مستشفيات ميدانية، سواء على الجانب الفلسطيني من معبر رفع، أو على الجانب المصري"، وفقه.


ولن تؤدي تلك الخطوات برأيه إلى "ما يسمى بالتهجير الطوعي، حيث أن تدمير المستشفيات لن يفضي الى تهجير الـ2 مليون فلسطيني من القطاع".


ويواصل الاحتلال الصهيوني لليوم الـ30، حربا مدمرة على غزة، قتل فيها نحو 9500 فلسطيني، منهم 3900 طفل و2509 سيدات، وأصيب أكثر من 24 ألفا آخرين، حسب مصادر فلسطينية رسمية.

 

اقرأ المزيد : 

قصّة المستشفى الميداني الأردني في غزة.. وجهود لبناء مستشفى آخر