تساؤلات حول فاعلية حملات التوعية بمخاطر العنف الأسري

العنف الأسري
العنف الأسري

أعادت قضية مقتل طفلة لا يتجاوز عمرها 8 أشهر في محافظة إربد الأسبوع الماضي، متأثرة "بحروق" تسبب بها والدها بعدما وضع قدميها في المياه الساخنة تساؤلات ملحّة حول فاعلية حملات التوعية بمخاطر العنف الأسري ومشاريعها المختلفة على مستوى المؤسسات المعنية الرسمية والمجتمع المدني، وما يمكن إحداثه من اختراق في منع هذا العنف ورفض أشكاله بما في ذلك ما يقع تحت "ذريعة التأديب". 

اضافة اعلان


القضية التي أعلنت مديرية الأمن العام في بيان رسمي لها في اليوم العالمي للأسرة، إجراء تحقيق فيها عبر إدارة حماية الأٍسرة والأحداث، كشفت عن "تهديد الجاني للأم" في حال أبلغت عن الحادثة كما أشير إلى أن الأب قام بها تحت تأثير المشروبات الكحولية مع التأكيد على إحالتها للقضاء فور انتهاء التحقيقات. 


في أثناء ذلك، أطلقت عدة حملات توعية من العنف الأسري إلى جانب تبني العديد من منظمات المجتمع المدني لمشاريع مختلفة للتصدي للعنف وفق منهجيات متنوعة، تتساءل خبيرات، عن فاعلية هذه الحملات والمشاريع في التصدي للعنف الأسري، وفيما إذا كانت الحملات "توجه" بشكل مؤسسي الفئات المستهدفة في المجتمع، نحو رفع غطاء السرية عن هذا النوع من العنف الذي "يتدثّر بخصوصية الأسر بسلبية" بدلا من مواجهته. 


ولعل الأرقام التي نشرتها "الغد" مؤخرا حول حالات العنف الأسري الموثقة في تقرير الفريق الوطني لحماية الأسرة من العنف للعام 2023، قد أظهرت حجم التباينات في تتبع مسار الحالات واحتمالية تكرار تلقي الخدمة، كما أن الإفصاح عن قيود سابقة للمعنفّين عبر إدارة حماية الأسرة لا ينسجم مع خصوصية إدارة الحالة. 


ومن هنا، تقول المديرة التنفيذية في المعهد الدولي "لتضامن" النساء، إنعام العشا، إن حادثة طفلة إربد لن تكون الأولى والأخيرة، لاعتبارات عدة من بينها وجود "ثقافة شعبية" بالسماح بالتعنيف، بخاصة في المجتمعات التي تعاني من عوامل مركبة تساعد على العنف من بينها التفكك الأسري، الوضع الاقتصادي، تعاطي المخدرات، قائلة إن كل الأطراف على صلة مباشرة بالتصدي للعنف الأسري. 


ورأت العشا في حديثها "للغد" بأن التعنيف في المجتمع العربي" ينظر له على أنه أحيانا "شأن أسري" مؤكدة أن لا أحد يمكن أن يقترب من "الأرقام المظلمة" في هذا الشأن خاصة مع تقبّل المجتمع للعنف الذي يبدأ بسيطا وقد يصل للقتل، فيما رأت بأن أحد أسباب العنف الأسري وجود شخص متعاط في العائلة، وهو ما يتوجب تعديل الإجراءات التي تتيح الخضوع للعلاج من الإدمان "وفق إرادة المتعاطي" لجعل هذه المعالجة "قسرية"، كون هذه الإرادة منعدمة أساسا في حالة الإدمان.


وتعتبر دائرة العنف الأسري تراكمية وليست وليدة اللحظة، وفق العديد من الدراسات، فيما ما تزال المادة 62 من قانون العقوبات التي تبيح "الضرب التأديبي" والاستفادة من فرصة إسقاط الحق الشخصي في هذه القضايا عائقا أمام إفلات المعنِّف من العقاب، وفقا للمحامية العشا. 


وتنتقد العشا هنا، سلبية العائلات أو الزوجات بالسكوت عن تعنيف الأزواج لهن أو لأبنائهن، خاصة وأن تقرير الفريق الوطني للحماية من العنف الأسري، كشف عن أن الزوج يتصدّر جرائم العنف الأسرية.


وقالت العشا "الأم في هذه الحالة ليست بمعزل عن العنف وكان دورها سلبيا، الحملات التوعوية بحاجة إلى إعادة توجيه للفئات المستهدفة بدقة كما أن هناك حاجة ماسة للتركيز في الحملات أيضا على إعادة تأهيل الجاني وليس الضحية فقط، خاصة في الحالات التي تكون فيها بدائل الأم ربما منعدمة داخل الأسرة حيث لا معيل أو سند غير الزوج المعنّف." 


وبحسب أرقام العنف الاسري التي وردت في تقرير الفريق الوطني فإنها تحدثت عن نحو 58 حالة عنف أسري رصدت من مختلف المؤسسات خاضعة لعامل التكرار، فيما وثقت ادارة الحماية الأسرة 19 ألف حالة أشارت بعض المصادر الى أنها تشمل الأحداث أيضا، لسنة 2023.  


وأطلقت إدارة حماية الأسرة والأحداث حملة "أسرتي سندي" بالتزامن مع اليوم العالمي للأسرة، الذي يصادف الــ 15 من أيار (مايو) من كل عام، بتمويل من الاتحاد الأوروبي، وتحت شعار "الصمت ليس حلا والإبلاغ عن العنف هو الحل".


وتشتمل الحملة على نشر مواد مرئية ومسموعة عبر وسائل الإعلام المختلفة، ووسائل التواصل الاجتماعي مع إقامة سلسلة فعاليات توعوية في الجامعات والمدارس، عبر الأقسام الميدانية للإدارة وبث إعلانات مرئية في الأسواق التجارية والمولات. 


وقال نائب مدير إدارة حماية الأسرة العقيد قيس الغرايبة، في تصريحات له عبر إذاعة الأمن العام، استحدثت غرفة عمليات مطورة ورفع مستوى بلاغات العنف الأسري للأولوية الأولى على نظام تلقي البلاغات الموحد 911، لتستجيب كل الوحدات الأقرب لموقع العنف لمنع تفاقم العنف والسيطرة عليه، توفير وسائل الإبلاغ مثل الموقع الإلكتروني للإدارة الذي تم تحديثه، وإضافة خدمة بلاغ إلكتروني وأيضا تم إنشاء خدمة محاضرة توعوية، وعبر موقع التواصل الاجتماعي.


ويشدد الغرايبة على ضرورة "التبليغ"، مؤكدا في الوقت ذاته أن الإدارة تستقبل التبليغات من المتضرر من العنف أو من أي طرف مبلغ، وقال" نحن ملزمون بالاستجابة ولا نسعى لمعرفة هوية من يقوم بالتبليغ"، منوها إلى أن جرائم العنف الأسري من الجرائم المستترة التي تقع خلف الجدران ولا يمكن التعرف إليها إلا عبر التبليغ. 


وبيّن الغرايبة أن الإدارة تستقبل كل حالات العنف الأسري ومنها" العنف الجسدي، اللفظي،  الاقتصادي، الجنسي"، مع التأكيد أن التشجيع على التبليغ من الإدارة  ليس "تحريضا للأبناء على آبائهم أو الزوجات على أزواجهن بل للحفاظ على كينونة الأسرة".


وبالتزامن أيضا، أطلقت حملة وطنية توعوية لمواجهة كل أشكال العنف ضد النساء والفتيات نهاية شهر نيسان (إبريل) الماضي نظمتها المبادرة النسوية الأورومتوسطية، بتمويل من الاتحاد الأوروبي والوكالة الاسبانية للتعاون الدولي وبالتعاون مع صندوق الأمم المتحدة للسكان،  تنفذها 7 مؤسسات شريكة هي مركز العدل للمساعدة القانونية، ومعهد العناية بصحة الأسرة، والمجلس الوطني لشؤون الأسرة، وقرى الأطفال SOS، وجمعية سيدات الطفيلة، وجمعية النساء العربيات الأردن. 


وبحسب وثائق الحملة، التي تحمل شعار "لا صمت لا تسامح.. الصمت لن يجعل العنف يتوقف"، فإنها تشتمل على منهجيات عدة من أهمها العمل على تحسين الوصول إلى الخدمات الشاملة المتعلقة للفئات المستضعفة.


وتستهدف الحملة الشباب والنساء وذوي الإعاقة، مع التأكيد على أن محاسبة مرتكبي العنف ضد النساء مطلب أساسي، والتوعية بأن جرائم العنف ضد النساء هي جرائم حق عام وليست متعلقة بأفراد. 


وتتضمن الحملة نشر مقاطع فيديو توعوية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تتعلق بمختلف أنواع العنف وتجريمه بما في ذلك العنف الإلكتروني ضد النساء، وضد ذوي الإعاقة، مع التركيز على أهمية التنشئة الرافضة للعنف. 


وتعتبر تلك الحملة، جزءا من مشروع "تحسين الوصول إلى الخدمات الشاملة المتعلقة بالعنف المبني على النوع الاجتماعي"، لرفع مستوى الوعي بمكافحة العنف ضد النساء والفتيات في الأردن، وتنفذه عدة مؤسسات رئيسة وشريكة، من أهمها مركز العدل للمساعدة القانونية، وقرى الأطفال، ومعهد العناية بصحة الأسرة، ويعمل المشروع وفق منهجية عملية لا تقتصر على التوعية والإرشاد، المتوقع أن يمتد لعامين.  


وتقول المديرة التنفيذية لمركز العدل، هديل عبدالعزيز، إن المشروع يعمل وفق عدة مسارات أهمها إتاحة وصول الفئات المستضعفة إلى "مقدمي" الخدمة القانونية والصحية والرعائية، حيث يقدم مركز العدل المساعدة القانونية، ويقدم معهد العناية الرعاية الصحية والنفسية، فيما تتولى قرى الأطفال تقديم الرعاية وفق نموذج جديد يعتمد على استهداف المجتمعات المستضعفة مباشرة. 


وبينت عبد العزيز في حديث لـ"الغد" أن هذا المشروع، الذي تعتبر إدارة حماية الأسرة والأحداث فيه شريكا وطنيا، يهدف إلى دعم وصول النساء للخدمات بجودة عالية للحماية والوقاية من العنف في المجتمعات المستضعفة على المستوى الوطني، وتعزيز الشراكات بين مقدمي الخدمات المختلفين المجتمع المدني والمجتمع المحلي، للوصول إلى خدمات تكاملية متعددة الاختصاصات وتكاملية، عبر الوصول إلى الضحايا.


ويضم المشروع أيضا، مؤسسات من المجتمع المحلي هما، مركز التوعية والإرشاد الأسري في الزرقاء، وجمعية النساء العربيات في إربد جمعية سيدات الطفيلة، إضافة إلى المجلس الوطني لشؤون الأسرة المعني بتطوير آليات الإحالة والتوفيق الأسري.  


وترى عبد العزيز أن أهمية المشروع، تتجلى في منهجية عمله الجديدة التي تشمل عدة مسارات عملية تصل إلى كل مناطق المملكة والمجتمعات المستهدفة، ولا تقتصر فقط على التشجيع على الإبلاغ وتسهيل آلياته. 


وتشير عبد العزيز، إلى أن هذا النوع من المشاريع من شأنه أن يشجع على التبليغ ويحاول كسر صمت المتضررين، للكشف عن أي أرقام مظلمة، في الوقت الذي يؤثر فيه تحسين مستوى الخدمات ومنهجية إدارة الحالات على مجمل حالات العنف المحتملة قبل وقوعها أو تفاقمها.

 

اقرأ المزيد : 

الشمالي يوعز بتكثيف حملات التوعية بحقوق المستهلك