تسليم حماس لأسرى الاحتلال وسط غزة.. ارتقاء بمعادلة الردع وإثبات للسيطرة

1701105836805273700
مواطنون فلسطينيون يحتفلون باطلاق سراح الأسرى من سجون العدو الصهيوني-(وكالات)

أكد خبراء سياسيون وعسكريون، أن المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، أثبتت بأنها ما تزال تتمتع بقدرات عالية على التحكم في المشهد الميداني العسكري خلال حرب الاحتلال الوحشية على القطاع، وأنها تمتلك قدرات عالية في التحكم بالمشهد السياسي والإعلامي، إذ استطاعت التأكيد على أنها موجودة وقوية ومتمكنة من أدواتها، وتفرض سيطرتها على الأرض.

اضافة اعلان


وقد أثار مشهد تسليم مقاومين فلسطينيين من حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في القطاع للدفعة الثالثة من أسرى الاحتلال أول من أمس، الكثير من الأسئلة حول ما يزعمه جيش الاحتلال من سيطرة على مدينة غزة، وإحكامه على مقاليد الأمور في المدينة التي دمرتها طائراته على مدار خمسين يوما من القصف الجوي.


ففي وسط ساحة فلسطين في قلب مدينة غزة، عرضت قنوات تلفزيونية للاحتلال، صورا لرئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، تزعم فيها بأنه زار جنودا في غزة، قبيل عملية تسليم حماس لأسرى الاحتلال للصليب الأحمر، لكن مواطنين غزييين من المدينة، ومجموعة الصليب الاحمر التي ستتسلم أسرى الاحتلال، رأوا استعراض قوة عسكري قدمته حماس أثناء تسليم مقاتليها للاسرى، وفي توقيتين تزامنا مع تحليق طائرات الاحتلال ليلا، وتوقفها في النهار لست ساعت خلال الهدنة المؤقتة. 


وبحسب خبراء، فإن هذه المشهدية التي قدمتها المقاومة، تمكنت من دحض الرواية الإسرائيلية حول سيطرتها على شمال غزة خلال فترة الحرب، مشيرين الى أن مشهد تسليم الأسرى حمل، وخصوصا عند وداعهم لعناصر حماس، رسالة الى العالم، بأن المقاومة كانت تتعامل بطريقة إنسانية، وتحكم أمورها في شمال غزة، على عكس ما يروج له الاحتلال. 


كما أن المقاومة - وفق الخبراء، وضعت حكومة الاحتلال في موقف معقد وصعب وقاس سياسيا، خصوصا إذا ما أخذنا بالاعتبار أن المتطرف نتنياهو، كان أعلن في بداية العمليات العسكرية قبل نحو 50 يوما 3 لاءات: لا للهدنة ولا للتفاوض على الأسرى ولا لإدخال الوقود والمساعدات الإنسانية لغزة، لكن ما حدث بعد هذه الحرب الغاشمة، أسقط لاءاته، عبر تحكم المقاومة وتكتيكاتها الميدانية والقتالية المبهرة، ما أجبر قوات الاحتلال أيضا على إسقاط هذه اللاءات من قاموسهم في حربهم على غزة.


الخبير العسكري اللواء المتقاعد والمحلل الإستراتيجي مأمون أبو نوار، أشار الى أن حماس، نجحت عبر طريقة تسليم أسرى الاحتلال الدفعة الثالثة، بإيصال رسالة للاحتلال والعرب والعالم ولأهل غزة، من أنها ما تزال موجودة وقوية وتفرض سيطرتها ومستمرة في القتال. 


ويرى أبو نوار، أن هذه الصورة ستساعد بالضغط على الاحتلال، فبرغم ما حظي به من تدليل ودعم دوليين في حربه على غزة، وبرغم ما قدمه من تبريرات لهذه الحرب، لكنه فشل ولم يحقق شيئا أو يفرض سيطرة على أراضي غزة، بعد حربه الدامية. 


كما أن الاحتلال - وفقا لأبو نوار- فشل بتقديم إستراتيجية شاملة عسكريا وسياسيا للخروج من مأزق غزة، وإنهاء حماس، فكل ما ارتكبه من مجازر وهجمات، لم يكن بذي جدوى وفائدة بالنسبة لها. 


الخبير العسكري والسياسي نضال أبو زيد، قال إن تسليم الأسرى في اول يومين من الهدنة، جرى في مناطق جنوب القطاع، اما عملية تسليم الأسرى امس، فجرت وقائعها في شمال وادي غزة، وبالتحديد في المناطق الشمالية من القطاع، أي المناطق التي كان الاحتلال قد أعلن على لسان وزير دفاعه، بأنه يفرض سيطرته عليها، وبأنه لا حضور للمقاومة فيها. 


وبحسب أبو زيد، فإن ما شاهدناه أول من أمس، تناقض تماما مع الرسالة الإعلامية التي أراد الاحتلال إرسالها لمجتمعه ولأميركا وللعالم عن قوته. 


ويرى أبو زيد، أن حماس تتلاعب بقوات الاحتلال، وفق 3 أبعاد رئيسة: بعد عسكري ميداني، وبعد سياسي بالتعاطي مع الهدنة وطريقة فرض شروط على الاحتلال، وبعد إعلامي، وهو الأهم، إذ أرسلت لمجتمع المحتل رسالة اعلامية واضحة والى العالم تشكك فيها بمصداقية الاحتلال، ومصداقية إعلامه، بحيث أثبتت بأنها ما تزال تمتلك القدرة على الوجود والانتشار في أي منطقة بالقطاع. 


وأضاف أبو زيد، أن مشهد تسليم الأسرى حمل بالإضافة إلى الرسالة السابقة المتمثلة بوجود المقاومة على أرضها، رسالتين إعلاميتين: الاولى ظهرت في مشهد وداع الأسرى لعناصر المقاومة، بحيث أرسل هذا المشهد إشارة الى أن المقاومة كانت تتعامل معهم بطريقة إنسانية. 


والثانية، كانت بوجود مقاومات إناث من حماس (كتائب القسام) أثناء عملية تسليم الأسرى، إذ ساعدن بإرسال إشارة إعلامية أخرى تتعلق بأن هذه الجماعة، تتعامل بعيدا عن التحيز للجندر، او التحيز للصنف او اللون او للطائفة، نافية بذلك ما يتم التعاطي معه عنها، من الاحتلال، بأنها جماعة إرهابية. 


وأكد أبو زيد، أن المقاومة ما تزال تتمتع بقدرة عالية على التحكم في المشهد الإعلامي، وقدرة عالية على التحكم في المشهد الميداني، وقدرة عالية جدا على التحكم بالمشهد السياسي. 


وبين أنه من الجانب الميداني، فرضت المقاومة على الاحتلال التقيد بشروط الهدنة، خصوصا إذا ما أخذنا بالاعتبار بأن المتطرف نتنياهو أعلن بداية العمليات العسكرية لاءاته الثلاث، لمكن ما حدث عبر تحكم المقاومة وضغطها الميداني، أجبر الاحتلال على كسر اللاءات الثلاث لنتنياهو، بحيث دخل الوقود لغزة، ونفذت هدنة أجبرت الاحتلال على التفاوض في موضوع الأسرى.  


وبشأن موضوع استعراض القوة العسكري للمقاومة في شمال غزة أثناء تسليم الأسرى، أرسلت المقاومة رسالة قوية الى مجتمع المحتل لتحركه ضد حكومته المتطرفة، وتظهر بأنها فقدت مصداقيتها كاملة. 


وأكد ابو زيد، أن المقاومة ما تزال تتمتع بقدرة عالية على التعاطي مع الاحتلال سياسيا وإعلاميا وميدانيا، وهي تجره لأكبر فترة زمنية ممكنة من القتال البري، متوقعا بأن الاحتلال سيوافق مرغما وليس راغبا بتمديد الهدنة، مقابل تسليم مزيد من الأسرى المدنيين له. 


وأشار الى أن  هناك نقطة لافتة، وهي أن المقاومة لا تمتلك فقط أسرى مدنيين للاحتلال، بل تمتلك أيضا جزءا كبيرا من الأسرى العسكريين، وبالتالي ما تزال المقاومة تمتلك أوراق قوة كبيرة مستقبلا، يمكنها التفاوض عليها، بخاصة في موضوع الأسرى العسكريين.  


واذا ما اخذنا بالاعتبار بأن المقاومة لديها تجربة سابقة في التفاوض على الاسرى من جنود الاحتلال كالجندي شاليط، ونجحت في حينها بالتفاوض واستبدال الجندي الإسرائيلي بأكثر من ألف معتقل فلسطيني في سجون الاحتلال.


وقال ابوزيد، أن مسلسل التفاوض على الأسرى ما يزال في بدايته وما تزال المقاومة تتمتع بقدرة عالية على التعاطي مع هذا الملف، مشيرا الى أن لديها القدرة على أنها ستجر الاحتلال الى طول فترة زمنية ممكنة من خلال هذه الهدنة وبالتالي إدخال الجانب او توريط الجانب الإسرائيلي في مستنقع غزة اكثر من ذلك. 


أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأردنية د. محمد مصالحة، قال إن طريقة تسليم المقاومة للأسرى في قلب غزة، التي ادعى الاحتلال الأيام الماضية أنها تفرض سيطرتها على هذا الجزء من المدينة، وظهور المقاومة أمام العالم بأسره، وقد حددت مكان وطريقة التسليم، إضافة إلى ظهور مقاتليها بزيهم العسكري وبكامل سلاحهم، عكست بأن المقاومة ما تزال تمسك بناصية القرار في الحرب الحالية، وبمسيرة السلم او الحرب في الإقليم.  


ورأى مصالحة، بأن الاحتلال فشل في غزة بتحقيق ما كان يعلن ويسعى لتحقيقه، أكان بشن حرب برية او عمليات قصف جوي، او بتصاريح صحفية التي تمتلئ بالعنجهية والعربدة والاستقواء. 


وأشار الى أن انجازها كان ضئيلا، برغم أن الولايات المتحدة الأميركية، كانت الفترة الماضية، هي الواسطة التي تبرر او تغطي فشل المتطرف نتنياهو، والذي قاد الكيان لهذا الوضع المزري، مؤكدا أنه ولأول مرة  يظهر الاحتلال بمظهر المنكسر.


وتوقع مصالحة استكمال تبادل الرهائن والأسرى بين الطرفين، مشيرا الى أن الاحتلال اليوم ربما يكون اكثر حاجة لمثل هذا التبادل، وهذا ما هو عليه الحال بالنسبة للفلسطينيين الذين يجري أسرهم باستمرار، برغم أنهم يدافعون عن أرضهم وقضيتهم. 


وأشار الى أن الصفقة الرابعة (أمس)، ستجري بسهولة ويسر، وما يتسرب من تقارير إعلامية من جهات دولية وإقليمية، يفيد بأن الجانبين موافقان على تمديد الهدنة، وربما يكون ذلك تمهيدا لاتفاقية وقف إطلاق نار، مشيرا الى أن ما صدر عن الرئيس الأميركي جو بايدن اول من امس، يدلل على أن  الإدارة الأميركية ستعمل على تحقيق السلام، بما يضمن للمحتل والفلسطينيين، حقهم في الحياة بسلام في دولتين متجاورتين. 


واعتبر مصالحة هذا التصريح "تحولا" في الموقف الأميركي، ربما يجد طريقه للتنفيذ، خصوصا بعد الحرب القاسية التي وقعت.

 

اقرأ المزيد : 

الأردن يرحب بتمديد اتفاق الهدنة الإنسانية في قطاع غزة