فجوة "الإنجليزية" بين "الخاصة" و"الحكومية".. كيف نردمها؟

طلبة في إحدى المدارس-(أرشيفية)
طلبة في إحدى المدارس-(أرشيفية)

فيما تثير تصريحات وزير التربية والتعليم والتعليم العالي والبحث العلمي د.عزمي محافظة الأخيرة عن وجود “فجوة مهمة بين التعليم الخاص والعام في الأردن فيما يتعلق باللغة الإنجليزية”، تساؤلات عن أسباب هذه الفجوة، يرى خبراء ضرورة المسارعة إلى ردم هذه الفجوة في عالم باتت فيه اللغات مفاتيح مهمة للمعرفة. 

اضافة اعلان


وكان الدكتور عزمي قال خلال افتتاح أعمال مؤتمر “تدريس اللغة الإنجليزية في المدارس الحكومية” أول من أمس إن معظم طلبة المدارس الخاصة يتقنون اللغة الإنجليزية في حين أن العكس هو الصحيح فيما يتعلق بالمدارس الحكومية؛ وهذا يعود لأسباب كثيرة، أهمها ضعف معلمي اللغــة الإنجليزية، والاكتظاظ الكبير في المدارس الحكومية، واقتصار تعلم اللغة الإنجليزية على حصص اللغة الإنجليزية، في حين أن المدارس الخاصة تدرس مناهج أخرى باللغة الإنجليزية إضافة لأسباب أخرى. 


وأكد أن تعليم اللغة الإنجليزية وتعلمها في الأردن يجب أن يحظى بأولوية قصوى؛ وذلك تلبية لاحتياجات القرن الحادي والعشرين، ولنصبح منافسين عالميًا؛ الأمر الذي يتطلب أن تكون إستراتيجيات وأساليب تدريس اللغة الإنجليزية مستجيبة وشاملة لجميع التغيرات التي تحدث في نظريات تعلم اللغة واكتسابها، لافتا إلى أن الوزارة تولي أهمية كبيرة لتعليم اللغة الإنجليزية؛ إذ يبدأ تدريسها منذ الصف الأول الأساسي، كما تخصص عددا كافيا من الحصص أسبوعيا لتدريسها، وتستخدم مناهج تعدها شركات عالمية متخصصة.


بدوره، استعرض منتدى الإستراتيجيات الأردني، في ورقة سياسات تحت عنوان “مدخلات التعليم المدرسي ومخرجاته: استغلال الفرص الممكنة لتطوير منظومة التعليم”، نتائج تحليل اختبار إتقان اللغة الإنجليزية لعام 2023 والصادر عن مؤسسة Education First السويدية، والذي يقيم أداء أكثر من 2.2 مليون من البالغين في 113 دولة من مختلف أنحاء العالم. 


وأظهرت نتائج التقرير الإتقان الواضح لبلدان أوروبا للغة الإنجليزية مقارنة بباقي دول العالم، فباستثناء كل من سنغافورة (المرتبة الثانية عالميًّا)، وجنوب إفريقيا (المرتبة التاسعة عالميًّا) استحوذت الدول الأوروبية على جميع المراتب ضمن تصنيف “درجة إتقان عالية جدًّا”


أما على مستوى الدول العربية، فتركزت معظم النتائج ما بين “درجة إتقان منخفضة” كلبنان، والإمارات، وقطر، والمغرب، و”درجة إتقان منخفضة جدًّا” كفلسطين، والأردن، والسودان، وعُمان، باستثناء تونس التي جاءت من بين البلدان ذات “درجة إتقان متوسطة”. 


وعلى مستوى أداء الأردن، فقد سجل تراجعًا بمقدار 6 مراتب في تقرير عام 2023، ليحل في المرتبة 96 (من أصل 113 دولة)، بعد أن كان في المرتبة 90 (من أصل 111 دولة) في تقرير عام 2022. 


وفي هذا السياق، قال الخبير التربوي الدكتور محمود المساد إن معظم الدراسات تؤكد أن تعلم اللغات يدعم بعضه بعضا، وأن تعلم اللغة الإنجليزية في سنوات العمر المبكرة لا يؤثر على تعلم اللغة العربية الأم.


وبين المساد أن تعلم مهارات اللغة يبدأ بتدرج تراتبي، بحيث يتم اكتسابها بالتتابع ومن ثم التكامل، وإتقان مهاراتها على أيدي معلمين أكثر اهتماما واندماجا في أدائهم لمهامهم، من خلال بيئة حاضنة غنية تتحدث اللغة الإنجليزية في مساحة من الوقت كافية، وفيها مختبر لغة قادر على تسجيل الصوت والإعادة كي يساعد المتعلم على سماع صوته ولفظه للكلمات والتصويب الذاتي، فضلا عن تدريس بعض المواد الأخرى باللغة الإنجليزية.


ومن هذه النتائج التي توصلت لها الدراسات المحلية والعالمية يتبين، بحسب المساد، أن ظروف المدارس الخاصة عموما أفضل بكثير من المدارس الحكومية، وبالذات ما يتصل منها بتوافر بيئات التعلم الحاضنة الغنية تقنيا ونفسيا وتربويا، والعمل الجاد على المهارات الأربع للغة بشكل تتابعي ومتكامل فيما بعد، بداية في مهارة الاستماع ومن ثم المحادثة وبعدها الكتابة والقراءة بترتيب زمني متتال، يليها التركيز على المهارات الأربع بشكل متداخل متكامل متوازن مع توظيف البيئة الحاضنة التقنية. 


فضلا عن الدعم الكافي عبر توفير الفرص لكل طالب بالمشاركة والتعبير عن نفسه، سواء في غرف الصفوف أو النشاطات داخل المدرسة وخارجها، إضافة إلى برنامج مدرسي أطول، وذي ساعات دراسية كافية، وخاصة في مواد دراسية باللغة الإنجليزية.


وأكد أن جسر الفجوة بين المدارس الحكومية والخاصة فيما يتصل بتمكن الطلبة من مهارات اللغة الإنجليزية، يتطلب أن يخضع المعلمون والمعلمات إلى تدريب مكثف قبل الخدمة وبعدها، وربط الترقيات والعلاوات بالأداء المنجز.


وشدد على ضرورة توفير بيئات تعلم غنية داعمة لتعلم مهارات اللغة الأربع، وخاصة مختبرات اللغة، وتوفير مساحة من الوقت في البرنامج المدرسي تسمح بنشاطات ممارسة اللغة، استماعا ومحادثة، فضلا عن اشتمال التقويم للمعلمين والطلبة على ملاحظة هذه الممارسات ومستوى إتقانهم لها.


ودعا المساد إلى تجريب هذه الأفكار في مدارس الفترة الواحدة بداية، مع تنفيذ قرارات تتصل بربط تقويم المعلمين في مدارسهم بمستوى تحسن الطلبة العام في جميع المواد الدراسية، واللغة الإنجليزية بشكل خاص.


بدوره، أكد خبير المناهج الإنجليزية شادي براهمة، أن امتلاك اللغة الإنجليزية وإتقانها، أضحى ضرورة حياتية، فهي لغة العصر، وإتقانها بات من ضمن أولويات الأنظمة التعليمية في العالم، كونها لغة العلوم والتكنولوجيا.


وقال براهمة إن الطريقة المثلى لتدريس الإنجليزية، تكمن في التزام المعلمين خلال حصصها بعدم التحدث بالعربية أثناء الشرح، وتبني أساليب وإستراتيجيات تدريس متطورة، كالمجموعات، واستخدام الألغاز الذهنية، لتقوية مخزون المصطلحات والكلمات الإنجليزية ومعانيها في الذاكرة.


وأضاف أن معلمي المدارس الحكومية يركزون على مهارة القراءة والكتابة أكثر من المحادثة والاستماع، مشددا على ضرورة قيامهم باستخدام الذكاءات المتعددة في أساليب تدريسهم، لأن هناك طلابا يتعلمون بصريا وسمعيا وحركيا.


واوضح أن مناهج اللغة الإنجليزية في المدارس الحكومية، تفتقر للمرفقات التي تواكب عصر التكنولوجيا، كما في العديد من كتب دور النشر المزودة للمدارس الخاصة، والتي تعتمد مناهجها على مرفقات ووسائل إيضاحية إلكترونية تساعد المعلمين على إيصال رسالتهم بسلاسة ووضوح.


وبين براهمة أن الطالب تقع عليه مسؤوليات عديدة، تتمثل بكسر قناعة صعوبة الإنجليزية في ذهنه، تليها جهوده الفردية بممارستها في حياته اليومية ومع أصدقائه في المدرسة، مشيرا إلى ضرورة أن يكون تعلم اللغة الإنجليزية نابعا من إدراك الطالب أهميتها في حياته اليومية وليس من أجل العلامة والنجاح فقط.


وبين أن جسر الفجوة بين المدارس الحكومية والخاصة في هذا الشأن يتطلب تمكين طلبة المدارس الحكومية من التحدث بالإنجليزية عبر تشجيعهم على ممارستها في المدرسة وخارجها، وتشكيل فرق وأندية لغة إنجليزية في المدارس، بالإضافة إلى تشجيع الطلبة على قراءة قصص باللغة الإنجليزية، والاستماع لنشرات الأخبار بها، ثم القيام بتحليل ما سمعوه وقرأوه كتابيا وشفهيا.


فضلا عن إعداد وتأهيل المعلمين ضمن التخصص، وإعادة النظر في المناهج وطرائق تدريسها، مثل مهارات الاستماع والتحدث، بالإضافة إلى توفير التقنيات الحديثة التي تستخدم في تعليم مهاراتها اللغة الإنجليزية.


وشاركهم الرأي، الخبير التربوي عايش النوايسة، الذي يرى أن تعلم اللغة الإنجليزية في مدارس وزارة التربية والتعليم يواجه مشكلات كبيرة انعكست على مستوى الطلبة، بحيث أظهر أغلب الاختبارات والدراسات التشخيصية التي أجريت ضعفا كبيرا لدى الطلبة في القراءة والمحادثة والكتابة، وبالتالي انعكس هذا بشكل كبير على المشاركة في التقيميات الدولية او المحلية التي أظهرت ضعفا وقصورا كبيرين.


وأضاف النوايسة أن هناك مجموعة أسباب وراء ذلك موزعة على عناصر عملية التعلم والتعليم، منها ما يتعلق ببرامج اللغة الإنجليزية في الجامعات التي تقدم برامجها باللغة الإنجليزية، حيث يعاني بعض طلبة المدارس من مشكلات كبيرة في تعلم اللغة الإنجليزية التي تعد مدخلا لبرامج الجامعات، لذا يستمر الضعف بعد التخرج من الجامعة، 
فضلا عن ضعف برامج تدريب وإعداد المعلمين على تطوير قدراتهم، ومعالجة ضعف برامج تعلم وتعليم اللغة الإنجليزية في الجامعات.


وقال إن كل ذلك ولّد لدى الطلبة وذويهم تصورات بوجود صعوبات كبيرة في تعلم وتعليم اللغة الإنجليزية.


وأكد أن معالجه هذا الضعف تكمن في إعادة النظر ببرامج إعداد الطلبة في اللغة الإنجليزية في الجامعات، وتطوير برامج لإعداد معلميها بحيث تركز على تطوير قدراتهم بصورة عملية مرتبطة بالممارسات الفعلية. بالإضافة إلى أهمية بناء منهاج اللغة الإنجليزية وفق الحاجات والقدرات الفعلية للطلبة، والتركيز على الممارسة في تعلم اللغة الإنجليزية، وتوظيف التقنيات الحديثة، ولا بد من إجراء تقييم مستمر لبرامج تعلمها، وتطويرها بشكل مستمر، وإشراك القطاع الخاص في إيجاد حلول منطقية لمشكلات تعلم وتعليم اللغة الإنجليزية.


وأوضح النوايسة أن تجسير الفجوة بين التعليم العام والخاص فيما يتعلق باللغة الإنجليزية يحتاج إلى توفير جهد كبير متناغم في جوانب تطوير المنهج والمعلم والبيئة الداعمة، وتوفير فرص تعلم تركز على ممارسة اللغة من خلال توظيف التقنيات الحديثة، ومختبرات لغة لغوية، والتركيز على التقييم التكويني لمعالجة أي خلل يظهر لدى الطلبة أثناء عمليات التعليم، ولا بد من كسر الفجوة النفسية بين الطلبة وتعلم اللغة الإنجليزية من خلال وسائل تركز على سهولة تعلمها وممارستها.

 

اقرأ المزيد : 

طلاب المدارس الحكومية أضعف في اللغة الإنجليزية من الخاصة وفق التربية