قرار الجمعية العامة.. صفعة للانحياز الغربي ونجاح للدبلوماسية الأردنية

جانب من جلسة التصويت على مشروع القرار بشأن غزة في الجمعية العامة أول من أمس-(وكالات)
جانب من جلسة التصويت على مشروع القرار بشأن غزة في الجمعية العامة أول من أمس-(وكالات)

 شكّل القرار العربي الذي صوتت عليه أغلبية الثلثين في الجلسة الطارئة الاستثنائية للجمعية العامة للأمم المتحدة، أول من أمس الجمعة، إعادة اعتبار للقانون الإنساني الدولي في جهد دبلوماسي أردني غير مسبوق، بالرغم من تمسك العديد من الدول الغربية والأوروبية بموقفها المنحاز من الحرب على غزة.  

اضافة اعلان


مشروع القرار الذي قدمه الأردن باسم المجموعة العربية في الجمعية العامة التي تضم 193 دولة دائمة العضوية، وإن كان لا يحظى "بقوة القانون الدولي وبقوة قرارات مجلس الأمن"، إلا أن صدوره من الجمعية العامة، يعد "صفعة" للانحياز الغربي من جهة، بحسب مراقبين وخبراء في القانون الدولي، كما أن القرار صدر عن "مرجعية دولية للقرارات الدولية، وأكبر تجمع دولي يهتم بتنفيذ مقاصد الأمم المتحدة بصون الأمن والسلم الدوليين." 


وفي هذا الصدد، يرى الخبير الحقوقي المختص في مواثيق الأمم المتحدة كمال المشرقي، أن أهمية هذا القرار، تأتي بعد فشل مجلس الأمن ولأربع مرات سابقة، بالاضطلاع بدوره بالتصويت على قرار ملزم بحماية المدنيين في غزة، حيث كان الفيتو حاضرا وحال ذلك دون أن يرى هذا القرار النور.  


وبين المشرقي لـ"الغد"، بأن الإجراء السريع الذي أتاحه ميثاق الأمم المتحدة، وبادر الأردن إلى استخدامه عبر تقديم مشروع القرار باسم المجموعة العربية، جاء تجسيدا لتفعيل القرار 377 (د- 5) (متحدّون من أجل السلام) الصادر عن الجمعية العامة في العام 1950، والذي يعتبر أداة نوعية للأمم المتحدة وأعضائها، في حال فشل مجلس الأمن باتخاذ قرار، فإن الجمعية العامة تقوم بدورها في صون الأمن والسلم الدوليين.  


وينص القرار 377، "على أنه في حال إخفاق مجلس الأمن، بسبب عدم توفر الإجماع بين أعضائه الخمسة دائمي العضوية، في التصرف كما هو مطلوب للحفاظ على الأمن والسلم الدوليين، يمكن للجمعية العامة أن تبحث المسألة بسرعة، وقد تصدر أي توصيات تراها ضرورية من أجل استعادة الأمن والسلم الدوليين. وإذا لم يحدث هذا في وقت انعقاد جلسة الجمعية العامة، يمكن عقد جلسة طارئة وفق آلية الجلسة الخاصة الطارئة." 


ويرى المشرقي أن للجمعية العامة أن تنظر في الأمر في هذه الحالة، والتقدم بتوصيات مناسبة للأعضاء "من أجل اتخاذ تدابير جماعية"، بما في ذلك استخدام القوة المسلحة في حالة الإخلال بالسلم أو وقع عمل من أعمال العدوان، وذلك لحفظ السلم والأمن الدولي أو إعادته إلى نصابه." 


ويتيح ميثاق الأمم المتحدة، أيضا، وفقا للمشرقي عقد دورة استثنائية طارئة خلال 24 ساعة من الطلب في حال لم تكن الجمعية العامة منعقدة، وتنعقد مثل هذه الدورة الاستثنائية إذا ما طلب عقدها، أي سبعة أعضاء في مجلس الأمن أو أغلبية الدول الأعضاء في الأمم المتحدة. 


وشدد المشرقي على أن هذا القرار "يمهد لمرحلة جديدة في صون وحماية وتحصين القاعدة القانونية الدولية من جانب صون الأمن والسلم الدوليين، والتصدي للجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الإبادة الجماعية، وكذلك الجرائم التي يرتكبها الكيان الصهيوني ضد الأطفال والنساء والمدنيين في غزة والأراضي الفلسطينية المحتلة." 


كما أنه يمهد الطريق للمساءلة الدولية، وفقا للقواعد والإجراءات المتبعة وللقانون الدولي الإنساني. 


أما عن آلية التنفيذ، فبيّن المشرقي أنه بالرغم من أن ميثاق الأمم المتحدة نص على أن التنفيذ يكون بيد مجلس الأمن مباشرة، إلا أن الجمعية العامة لديها من الأدوات الكافية لتحويل هذا النوع من القرارات إلى "قاعدة قانونية دولية" تعتمد أصلا على العرف الدولي".


وأضاف أن "الجمعية العامة لديها القدرة على استخدام هذا القرار للحد من قرارات أخرى تتعلق بالحصار الاقتصادي أو غيرها من القضايا، بالإضافة إلى إثارة الرأي العام العالمي، حيث إن هذه الجمعية تمثل أكبر تجمع دولي ويتمثل بـ193 دولة عضوا بشكل دائم، عدا الدول التي لا تتمتع بعضوية كاملة."  


وتستطيع الجمعية العامة من خلال قراراتها، وفقا للمشرقي، الحد من بيع أو شراء الأسلحة إلى دولة الاحتلال.


وقال: "صحيح أن الجمعية ليست أداة تنفيذ، لكن ما جرى هو إعادة الاعتبار لإشاعة ثقافة احترام المبادئ الإنسانية على مستوى عالمي، ومثل هذه القرارات ستنتج نتائج على الأرض يمكن إثارتها محليا ودوليا."  
ونوّه بأنه في مرحلة لاحقة، يمكن الاستفادة بشكل واضح من هذا النوع من القرارات، ب

إحالة هذه الملفات إلى المحكمة الجنائية الدولية، مضيفا: "من الممكن محاسبة كل القادة العسكريين للكيان الصهيوني، وإحالتهم إلى القضاء الدولي بموجب هذا القرار."  


ولا يعتبر هذا القرار هو الأول من نوعه، حيث تمت الاستفادة من قرارات سابقة للجمعية العامة للجوء إلى محكمة الجنائية الدولية وغيرها من المحاكم الدولية، كما حصل في العام 2004، حيث صوتت 150 دولة عضوا في الجمعية العامة في الأمم المتحدة على "هدم جدار الفصل العنصري"، حيث استخدم للضغط على دولة الاحتلال في المحافل الدولية، وكذلك أمام محكمة العدل الدولية، حيث نجحت هيئة من المحامين يترأسها المحامي أنيس قاسم آنذاك، باستصدار رأي استشاري من محكمة العدل العليا، الذي أكد على عدم شرعية الجدار.


وتم التصويت على القرار في الجلسة رقم 39 للجمعية العامة ضمن استئناف أعمال الدورة الاستثنائية الطارئة العاشرة، حيث قرر رئيس الجمعية العامة استئناف أعمالها بطلب من الأردن، وعقدت أولى جلسات هذه الدورة في نيسان (إبريل) 1997 بناء على طلب تقدم به ممثل دولة قطر آنذاك، وحملت عنوان "الأعمال الإسرائيلية غير القانونية في القدس الشرقية المحتلة وبقية الأراضي الفلسطينية المحتلة."  


ويبدو أن جولات وصولات قادها الأردن نجحت في كسب التأييد للقرار، في ظل طرح كندا مشروع قرار لتعديل المقترح الأردني، إذ نص المشروع الكندي، بحسب الوثيقة المعتمدة، على إضافة "شجب وإدانة الهجمات الإرهابية التي شنتها حماس في إسرائيل منذ السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023، وأخذ الرهائن والمطالبة بسلامة الرهائن ورفاههم ومعاملتهم معاملة إنسانية امتثالا للقانون الدولي مع الدعوة إلى الإفراج الفوري عنهم وبلا قيد أو شرط."  


وفشل المقترح الكندي في الفوز بثلثي أغلبية الأصوات، وبواقع تأييد 88 دولة، ورفض 55 دولة مقابل امتناع 33 دولة، إلا أن القرار العربي حظي بتصويت 120 دولة ورفض 14 وامتناع 45 دولة عن التصويت.  


ونص القرار المعتمد، على 13 بندا، من أهمها الدعوة إلى "هدنة إنسانية فورية ودائمة ومستدامة تفضي إلى وقف الأعمال العدائية"، ومطالبة جميع "الأطراف بالامتثال الفوري والكامل للالتزامات التي تقع على عاتقها بموجب القانون الدولي"، و"إتاحة الوصول الفوري والكامل والمستدام والآمن ودون عوائق للمساعدات الإنسانية".


كما نص على "إلغاء الأمر الصادر عن إسرائيل (السلطة القائمة بالاحتلال) بإخلاء المدنيين الفلسطينيين وموظفي الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية الواقعة شمال غزة بالانتقال إلى جنوب غزة"، ورفض النقل "القسري" للفلسطينيين في غزة، و"الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المدنيين رهن الاحتجاز."  


وأكد مسؤول قسم الأمم المتحدة في منظمة هيومان رايتس ووتش، لويس شاربونو في تعليق نشره عشية التصويت على أهمية القرار وتحرك الجمعية العامة تجاه غزة، وإن كان أي قرار سيصدر غير ملزم قانونا، لكنه حتما يمكن أن يكون له وزن سياسي. 


وقال شاربونو، بأنه يُمكن للجمعيّة أيضا أن تعرب عن قلقها من وقوع المزيد من الفظائع من خلال دعوة المفوّض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، وغيره من خبراء الأمم المتحدة، إلى تقديم إحاطة للدول الأعضاء، مؤكدا أنه يتعين على الدول الأعضاء أيضا تأكيد أهميّة "المحكمة الجنائيّة الدوليّة" في تحقيق عدالة غير منحازة. 


وفي السياق ذاته، أظهرت مداخلات الدول الأعضاء ممن طلبت التعليق عقب التصويت على القرار، حالة "السخط الواضح" على القرار، خاصة من الدول التي رفضت التصويت عليه مثل ألمانيا.  


إلى ذلك، انعكس "الانحياز الغربي منذ بدء عملية طوفان الأقصى على عملية تصويت الأعضاء في الجمعية العامة الجمعة، خاصة لدول كندا وألمانيا والولايات المتحدة وإيطاليا وبريطانيا على سبيل المثال، وبالرغم من تصويت فرنسا لصالح القرار، فإن الدول التي امتنعت عن التصويت أو التي رفضت، وحتى غالبية الدول الغربية التي صوتت، اعتبرت أن هناك عيوبا واضحة شابت القرار، لخلّوه من مسألتين أساسيتين، بحسب رصد "الغد"، لعدد من كلمات مندوبي الدول الأعضاء في أعقاب التصويت.  


وتمثلت المسألتان، بعدم "إدانة هجوم حماس" في السابع من تشرين الأول، وعدم التأكيد على "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها بحسب القانون الدولي".  


فمثلا، أكدت بلجيكا أن تصويتها على القرار جاء بسبب الوضع الإنساني في غزة، وأن هناك قصورا في القرار يتعلق بعدم التنديد بأعمال "حماس الإرهابية"، قائلة في الوقت ذاته، بأنها لا تؤيد الحصار والنزوح القسري، وداعية إلى ضرورة إطلاق "سراح الأبرياء بشكل عاجل وفوري."  


في الوقت ذاته، أظهرت ألمانيا، بحسب كلمة المندوبة الدائمة لها في الجمعية العامة، موقفها الرافض بشدة للقرار، والذي انعكس على التصويت "بالامتناع"، حيث قالت إنه "يوم صعب على الجمعية العامة"، ومعتبرة  أن "إسرائيل" وقعت "ضحية هجمة إرهابية لأكثر من 3 أسابيع"، وأن ألمانيا تعتبر "أمن إسرائيل أمرا لا يمكن التفاوض عليه".  


وفيما أعربت ألمانيا عن شكرها للجهد الأردني، رأت بأن القرار ركز على الاحتياجات الإنسانية، وأن النص فيه عيوب خطرة من أهمها "عدم إدانة حماس".  


وجاء تصويت فرنسا من بين المواقف الاستثنائية لصالح القرار من الدول الداعمة لإسرائيل، حيث قالت إنه "لا شيء يبرر معاناة المدنيين"، مؤيدة القرار لما تضمنه من الدعوة إلى "هدنة إنسانية بسبب الوضع الكارثي في غزة."  


وحالها كحال أغلبية الدول الغربية والأوروبية، أشارت فرنسا في كلمتها بأن "حماس لا تمثل المواطنين في غزة"، وأن المطلوب الحيلولة دون تصاعد الوضع في المنطقة وذلك على قاعدة "ضمانات أمن إسرائيل كأولوية وإنشاء دولة فلسطينية"، حسب القانون الدولي. 

 

ومن الدول المؤيدة للقرار، كانت النرويج، بسبب "خطورة الوضع الإنساني"، بحسب ما قالت، لكنها أيدت أيضا "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها ودون شرط مسبق"، ومنددة بأشد العبارات "الهجمة التي شنتها حماس، واحتجاز واختطاف الرهائن."  


وكانت النمسا من الدول التي اعترضت على القرار في التصويت، حيث علق عضو البرلمان النمساوي عمر الراوي، وهو من أصول عراقية، على صفحته الرسمية على الفيسبوك، بأن "قرار الاعتراض للنمسا كان محزنا"، وأن التعديل الذي طلبته "كندا" كان فاشلا. 


ومن اللافت تصويت إيران لصالح القرار، فيما امتنع كل من تونس والعراق عن التصويت لاعتبارات تتعلق بما وصفوه "مساواة الجلاد بالضحية"، وأن المطلوب كان قرارا أكثر قوة، وأن بعض مضامين القرار جاء مخالفا للقانون الوطني لما ينطوي عليه من اعتراف بـ"إسرائيل".

 

اقرأ المزيد : 

لماذا يتردد الاحتلال في فتح أكثر من جبهة؟