"هدنة مبهمة".. هل تفرض المقاومة حرب استنزاف على الاحتلال؟

جانب من آثار العدوان الهمجي على غزة-(وكالات)
جانب من آثار العدوان الهمجي على غزة-(وكالات)
 في وقت أعلنت فيه قطر مساء أمس عن التوصل لاتفاق هدنة إنسانية في قطاع غزة، تبدأ من الساعة السابعة صباح اليوم، وتستمر لـ4 أيام، بعد 48 يوما على الحرب العدوانية للاحتلال الصهيوني على القطاع المحاصر منذ نحو 17 عاما، يجري فيها تبادل أسرى بين حركة المقاومة الإسلامية (حماس) والاحتلال الصهيوني، فمن المتوقع بأن تسمح هذه الهدنة بإعادة تموضع الاحتلال المتوغل في بعض أطراف المنطقة الشمالية من القطاع، مع دخول مساعدات إنسانية لأهالي القطاع الذين قد يلتقطون أنفاسهم في حال لم ينقض الاحتلال الهدنة، كما يفعل عادة في كل اتفاقاته، وفق محللين.اضافة اعلان
وبين المحللون بأنه في أوقات الهدن، يقدم المواطنون على التخطيط لتنظيم جزء من أمور حياتهم، وتدبير حاجياتهم، إلى جانب تعاملهم مع الدمار الذي أنتجته الحرب قبل الهدنة، وانتشال شهداء مفقودين من تحت الدمار، وتفقد وإحصاء ما لحق بهم من خسائر وأضرار، وتنظيم ما يمكن تنظيمه من عمل المستشفيات، وغيرها من الأمور التي قد تساعدهم على استمرار الحياة، ولو على نحو جزئي.
وفي هذا النطاق، فإن اتفاقا لهدنة إنسانية بين الاحتلال و"حماس"، سيدخل حيز التنفيذ اليوم، إذا صدقت نوايا الاحتلال بتطبيق اتفاق الهدنة، الذي جرى التصريح بأنها قد تكون قابلة للتمديد لأكثر من 4 أيام، إذ أطلقت تسريبات أمس، تفيد بأن مدتها قد ترتفع لـ10 أيام، لكن لم تكن هناك تأكيدات واضحة بشأن ذلك، حتى ساعة كتابة هذا التقرير. 
وبدأ الحديث عن هدنة إنسانية بوساطة مشتركة بين مصر وقطر والولايات المتحدة الأميركية، خلال هذه الحرب التي ما تزال مستمرة منذ تنفيذ "حماس" لعملية طوفان الأقصى في الـ7 من تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، وأدت إلى قتل وأسر مئات من جنود الاحتلال الصهيوني، بينما هاجمت قوات الاحتلال الصهيوني المدنيين العزل في القطاع، تحت ادعاءات واهية، تحاول الإثبات بأن الاحتلال يحقق إنجازات عسكرية على الأرض، لردع المقاومة، لكنه وفق إعلاناته المتكررة، بأنه قصف وقتل آلاف الأهداف المتعلقة بالمقاومة، تسبب باستشهاد أكثر من 15 ألف مواطن، ثلثاهم من الأطفال والنساء، وتدمير أكثر من 50 % من مباني القطاع. 
ويشتمل اتفاق الهدنة الذي جرى تداوله في وسائل الإعلام وعلى ألسنة سياسيين من الاحتلال و"حماس" على تبادل 50 أسيرة مدنية وأطفال من الاحتلال، أسرتهم المقاومة الفلسطينية خلال "طوفان الأقصى" في المرحلة الأولى، مقابل إطلاق سراح 150 امرأة وطفلا فلسطينيا يقبعون في السجون الإسرائيلية، على أن يزداد عدد المفرج عنهم في مراحل لاحقة من تطبيق الاتفاق.
وستسمح الهدنة، بدخول عدد أكبر من القوافل الإنسانية والمساعدات الإغاثية، بما فيها الوقود المخصص للاحتياجات الإنسانية.
خبير الأمن الإستراتيجي د. عمر الرداد، قال إن "الأصل في الهدن الإنسانية خلال الحروب، أن تتضمن وقفا للعمليات القتالية لفترة محددة بين أطراف القتال، يسمح خلالها بدخول مواد إغاثة إنسانية كالأغذية والأدوية والوقود، وأي أمور تسهم باستئناف الحياة".
وبين الرداد، أن هدنة الحرب في غزة محفوفة بمخاطر عديدة، في مقدمتها الاحتمالات القوية باختراق الاحتلال لها، كما فعل في أكثر من مرة سابقا، لكنه يضيف، بأنه وبرغم ذلك، يبقى سيناريو إمكانية أن تؤسس هذه الهدنة لهدن أخرى واردا، في ظل حاجة الاحتلال لمواجهة الضغوط عليه، على خلفية قضية أسراه الموجودين لدى المقاومة الفلسطينية في القطاع.
ولفت إلى أن الهدنة ميدانيا، تشكل فرصة للطرفين المهاجم المحتل، والمدافع الفلسطيني عن أرضه، إلى تقييم ما تعرض له من نجاحات وإخفاقات خلال الحرب، ومن ثم إعادة حسابات كل منهما، لبناء خطط جديدة تحسن من دفاعات كل جانب، وأعماله الهجومية.
الخبير العسكري والمحلل السياسي نضال أبو زيد، قال إننا "إذا ذهبنا باتجاه الخيارات أو البنود التي طرحتها اتفاقية الهدنة مؤخرا، سنجد أنها ركزت على الشرط العسكري بشكل كبير، وبالتالي هذا الشق يتعلق بـ3 نقاط رئيسة، الأولى: تتمحور حول وقف العمليات الجوية في القطاع كليا ومنع الطيران فوق مناطق العمليات، وهنا فإن منطقة عمليات الاحتلال هي في القطاع كاملا، والثانية: وقف العمليات الجوية لـ6 ساعات في المناطق الشمالية من القطاع، المحور الذي تحتدم فيه المعارك على نحو ضار، والثالثة، تتبلور في عدم تحرك القطاعات البرية للاحتلال، وثباتها في مكانها، ومنع اعتقال أي مواطن من أهالي غزة، والسماح بتنقلهم بين الشمال والجنوب من دون أي معوقات، أو اعتراضات للاحتلال. 
وأوضح أبو زيد، بأن هناك مفهوما في العلم العسكري معروفا، يفيد بأن الحرب لا تتجزأ، فهي إما تقدم وإما انسحاب وإما هجوم. أما أن تقول قوات الاحتلال إنها في حالة وقف مؤقت، فلا يوجد شيء في المفاهيم العسكرية يعرف بالوقف المؤقت، وهذا الشيء يعني بأن المقاومة نجحت في دفع الاحتلال إلى التحول من حالة الهجوم إلى حالة الدفاع. وهنا يبدو بأن الاحتلال سيكون في مأزق كبير، لأنه في حال انتهت الهدنة، فإنه سيستأنف أعماله الحربية الهجومية، أو يعيد تموضع قواته.
وبين أبو زيد، أنه إذا ما أخذنا بالاعتبار بأن المقاومة حتى هذه اللحظة تتلاعب بالاحتلال، وتحاول جره إلى أطول فترة ممكنة زمنيا من القتال، لتفاقم اضطراباته الداخلية، بخاصة المرتبطة بتداعي اقتصاده بسبب أكلاف الحرب الباهظة التي تضغط على ميزانيته على نحو لم يشهده في مراته السابقة، ولارتباط استمراره بالقتال، بعدم تحقيق أي إنجازات على أرض المعارك، ما يضرب حكومته بعواصف سياسية، تصعد حدة الخلافات في أركانها، بخاصة من بعض وزراء الأحزاب الدينية، مثل حزب القوة اليهودية المتطرف والعنصري، الذي يقوده المستوطن المتطرف بن غافير.
لكن العامل الرئيس وفق توصيف أبو زيد، يكمن في أن المقاومة تجر الاحتلال إلى القتال لفترة زمنية أطول، لأنها تدرك تماما بأن العقيدة القتالية لجنود الاحتلال، هشة، فالجندي الصهيوني لا يتحمل فترات قتال طويلة، إلى جانب أن جيش الاحتلال مصمم للقتال لفترات قصيرة، والعمل في نطاق مهام محدودة، يتحدد فيها أمان جنوده على نحو منضبط، لكن في حرب كالتي تدور الآن في غزة، فمن الصعب تأمين الجنود، أو تحديد مهام واضحة لهم، من دون تعرضهم لخسائر باهظة في الأرواح والمعدات، لأنهم لا يواجهون جيشا نظاميا، بل مجموعات مقاومة، تعرف أهدافها بالضبط، وهي قتل أكبر عدد من جنود الاحتلال، وتدمير دباباته وآلياته، وجر جنوده إلى كمائن مدروسة، تضعهم تحت ضربات المقاومين في كل لحظة.
ورأى أن الأمر الثاني والأهم، يتمحور حول تكتيك المقاومة في جر الاحتلال للاستمرار في الحرب خلال الفترات المقبلة، بحيث تكون أجواء الطقس سيئة، ونكون في فصل الشتاء القاسي، "وأنا لا أعني هنا بأن الحالة الجوية، قد تؤثر على القوات البرية، فالآليات والدبابات تتمتع بأنظمة تدفئة، لكن الطائرات تتأثر على نحو كبير في العمل خلال أجواء الشتاء، فتنعدم قدراتها على تصوير الأهداف أو ملاحقتها، كما تعجز عن الطيران غالبا، وهذا الأمر شاهدناه الأحد الماضي، حين تعرض القطاع لمنخفض جوي، صحبته أمطار ورياح قوية، فلم تتمكن القوات البرية للاحتلال المتوغلة في بعض أجزاء من أطراف المحور الشمالي لغزة، من توفير غطاء جوي للقوات الاحتلالية على الأرض، ما عرضهم لخسائر فادحة في الأرواح والمعدات على أيدي المقاومين الفلسطينيين. 
وشدد أبو زيد، على أن المقاومة، تمتلك عناصر تكتيكية جيدة، تتبلور في زج الاحتلال في حرب طويلة زمنيا تستنزف قوته، والاستفادة من عامل الطقس الشتائي المتقلب والسيئ، لإيقاع أكبر قدر ممكن من الخسائر في صفوف قواته.
وأشار هنا إلى أن المقاومة، أثبتت إمكانياتها المتقدمة في التخطيط للدفاع، وتنفيذ هجمات دفاعية نوعية ضد العدو، لذا فستعيد خلال الهدنة، تموضع مجموعاتها، بخاصة وأن التنظيمات المقاومة لا تحتاج إلى جحافل كبرى لخوض العمليات القتالية، لأنها في هذا الجانب تعرف بعمليات غير متكافئة، بمعنى لا يكون المدافع فيها بحاجة كبيرة جدا للتزويد والإمداد، وهذه الحاجة تكون ضمن مهام القوات المهاجمة، لذا فإن قوات الاحتلال هنا هي من ستنفذ أعمال تزويد قواتها بالذخائر والطعام والوقود، وما إلى ذلك من احتياجات، بينما المقاومة التي تعمل على أرض تعرفها جيدا، وتعرف كل تفاصيلها، ستعيد رسم طرق تموضعها الجديدة، وفق المعطيات التي تحتاجها لشن عمليات دفاعية معقدة وصعبة على الاحتلال، بعدما تمكنت من معرفة إمكانياته ونقاط ضعفه في الأيام الماضية من القتال إذا ما استمر هجوم العدو بعد الهدنة.