هل تكفي دعوات "حل الدولتين" لإنهاء الصراع مع الاحتلال؟

1706027487642011100
جانب من آثار العدوان الهمجي على غزة أمس-(وكالات)

عمان- أثارت الحرب الهمجية على قطاع غزة، هواجس المجتمع الدولي ومخاوف من احتمال انهيار مسار السلام في المنطقة العربية، القائم بشكل خاص على حل الدولتين، إذ تطرح الحرب  تساؤلات عدة، أبرزها مصير عملية السلام وحل الدولتين.

اضافة اعلان


ووسط تزايد المخاوف من توسع الحرب المستعرة التي يشنها الكيان الصهيوني ضد القطاع إلى جبهات إقليمية أخرى، عقد وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، محادثات منفصلة مع نظرائهم: العرب والفلسطيني، والصهيوني بشأن آفاق السلام الدائم، بينما كرّر مسؤول السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، دعمه لفرض حل الدولتين من الخارج، مما يصعد الضغوط الأوروبية على الكيان، بعد رفض رئيس الوزراء المتطرف بنيامين نتنياهو دعوات لإقامة دولة فلسطينية مستقلة.


وعرض الاتحاد أول من أمس على: الكيان الصهيوني، ودول لجنة المتابعة العربية والسلطة الفلسطينية، حزمة أفكار في خريطة طريق، تنطلق من وقف الحرب على غزة إلى قيام الدولة الفلسطينية والأمن الإقليمي.


وشدد بوريل اول من امس على حل الدولتين، مؤكدا أن الكيان لا يمكنه بناء السلام بـ"الوسائل العسكرية وحدها"، كما كرر الإدانة الصادرة عن الأمم المتحدة لرفض نتنياهو "غير المقبول" للدعوات لإقامة دولة فلسطينية بعد الحرب على غزة.


ويشمل ملف إنهاء الحرب، إطلاق خطة سلام شاملة، مرتبطة بحل مشكلة الأمن بالنسبة للفلسطينيين والصهاينة، ومن ثم إطلاق عملية إعادة لإعمار القطاع، كما تشترط الدول العربية، وتنص حزمة الافكار، على انه يتوجب على الفلسطينيين وضع بديل سياسي لحركة المقاومة الاسلامية - حماس، مقابل التزام الكيان بحل الدولتين.


وتتضمن الوثيقة الأوروبية، دعوة إلى مؤتمر السلام التحضيري، ينظمه الاتحاد ومصر والأردن والسعودية وجامعة الدول العربية، بمشاركة الولايات المتحدة والأمم المتحدة، وتتمثل مخرجاته بإعداد مسودة خطة سلام، ودعوة الأطراف الدولية للمساهمة فيها، وضرورة منح الكيان والدولة الفلسطينية المستقبلية ضمانات أمنية قوية، تشمل الاعتراف المتبادل بين الجانبين.


وفي تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، توافقت دول عربية والاتحاد الأوروبي في اجتماع "منتدى الاتحاد من أجل المتوسط" في إسبانيا، على أهمية حل الدولتين، لإنهاء النزاع الصهيوني الفلسطيني.


وقال بوريل، إن أعضاء الاتحاد الذين حضروا المنتدى في برشلونة، وكل الحضور تقريبا، اتفقوا على الحاجة لحل الدولتين.


قادة العالم قالوا إن الحرب، يجب أن تتوقف لينصب الجهد فورا على حل الدولتين، وإيجاد صيغة يقبلها الفلسطينيون والصهاينة على حد سواء، إذ قال الرئيس الأميركي جو بايدن، إنه عندما تنتهي هذه الأزمة، لا بد أن تكون هناك رؤية لما سيأتي بعدها، ومن وجهة نظرنا، يجب أن يكون حل الدولتين.
وقال رئيس الوزراء البريطاني، ريشي سوناك، إن الهدف طويل المدى يتمثل بحل الدولتين.


من جهتها، قالت وزيرة خارجية ألمانيا أنالينا بيربوك، إن حل الدولتين الحل الوحيد للصراع المستمر بين الصهاينة والفلسطينيين، موضحة أن هذا الحل، يتيح التعايش السلمي بينهما.


بدوره، قال وزير الخارجية الفرنسي ستيفان سيجورنيه، إنه يأمل بأن يفرض الاتحاد عقوبات على الصهاينة مرتكبي "أعمال عنف بحق الفلسطينيين في الضفة الغربية".


وتعود جذورُ حلّ الدولتين للعام 1947، عندما وافقت الأممُ المتحدة على خطة لتقسيم فلسطين إلى دولتين، واحدة عربية والثانية يهودية، مع فرض حكم دولي على القدس، لكن الدول العربية رفضت القرار حينها، ثم شكّلت دعواتُ انسحاب الصهاينة من المناطق التي احتلتها عام 1967، أساساً لحل الدولتين. وباتت معها دولة فلسطين قائمة على الضفة الغربية والقطاع، بالإضافة للقدس الشرقية التي يطالب الفلسطينيون بها عاصمةً لدولتهم.


ويُعد اتفاقُ أوسلو عام 1993، أولَ توافُق بين الصهاينة والفلسطينيين على حق بعضهما بإنشاء دولة، ولعل تلك الاتفاقية كانت أولَ فرصة جدية لوضع فكرة حل الدولتين على الطريق الصحيح.


وفي العام 1988 أصدر الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات إعلانَ الاستقلال الذي تحدث لأول مرة عن "دولتين لشعبين"، مُعترفا بذلك بالكيان وسيادته. وفي العام 2002، استندت المبادرة العربية للسلام على المبدأ نفسه، واقترحت إقامة دولة فلسطينية مقابل إقامة علاقات طبيعية بين الدول العربية والكيان في سياق تدعيم فرص الحل.


بدوره، قال النائب السابق د. هايل ودعان الدعجة، إنه بات هناك وقائع جديدة في معادلة الصراع الفلسطيني الصهيوني، فرضتها المقاومة الفلسطينية عندما فاجأت وصدمت الكيان في عملية الاجتياح التي نفذتها في غلاف غزة في 7 اكتوبر الماضي، موقعة به خسائر بشرية ومادية غير مسبوقة فيه. 


أما تصاعد الدعوات للتوصل الى حل الدولتين، فإنها لا يخفى بان هناك حالة استعصاء صهيونية بقبوله، ترافقها محاولات لوضع هذا الحل في نطاق، ما أشار إليه بايدن في آخر اتصال له مع نتنياهو، حين أشار إلى أن هناك عددا من الأنماط لحل الدولتين، مضمرا أن هذا الحل لن يكون في صالح الفلسطينيين، واذا ما جرى التوافق على المضي به، فيجب ان يخدم الصهاينة.


وبدا الانحياز الاميركي في هذا السياق، برغم الغموض الذي رافق مكالمة بايدن ونتنياهو حول موافقة الاخير على ما طرحه الرئيس الاميركي، مشوبا بمواربة تحمل في طياتها نوعا من الخداع الذي قد يمس الفلسطينيين.


وفور التصريح بتصورات بايدن، بدا الاتجاه السياسي العالمي المؤثر، يذهب نحو ترديد الذهاب الى حل الدولتين، كما لو ان هناك إشارات تريد نزع أي "دسم" في هذا الحل لصالح الفلسطينين، اذ ظهرت ايضا بعض التحليلات التي ترى في ان عودة الحديث عن هذا الحل في وقت تعيش فيه قوات الجيش الصهيوني صعوبات جمة في التصدي للمقاومة، وعدم تحقيق نتنياهو اهدافه باجتثاثها وإعادة أسراه، نغمة تريد أن تخفف من حدة ما يقع لجنوده في أرض المعركة غير المتوازنة، وانقاذ له مما ينتظره في حال توقفت الحرب، دون ان يقبض على اي منجز يقدمه لكيانه.


وبطبيعة الحال، فإن الانحياز الغربي والأميركي للكيان، يحتم على المراقب مراجعة كل ما يدور حاليا حول هذا الحل، والتحوط مما اذا كان مجرد عملية أخرى، لما كانت عليه اتفاقات فلسطينية سابقة مع الكيان، فاقدة لـ"دسمها". 


في هذا السياق، قال رئيس الجمعية الأردنية للعلوم السياسية د. خالد شنيكات، خلال أكثر من 4 عقود حاول المجتمع الدولي تقديم كل التسهيلات للصهاينة لدفعهم نحو قبول تسوية سياسية مع الفلسطينيين، لكن ذلك باء بالفشل، لأن المجتمع الدولي لم يرد الفرض على الصهاينة ما لا يقبلونه بسبب ما يثيره ساستهم من أن أمنهم قد يصبح معرضا للخطر، وقد يفنى وجودهم، وكثيرا ما يستحضر في ذلك الهولوكوست.


وأضاف شنيكات، كذلك كان لديهم القدره على التأثير في الدول صانعة القرار، بخاصة الولايات المتحدة الأميركية، إذ لديهم وصول كبير لمفاصل الحياة السياسية فيها، واصبح هناك سؤال من الذي يؤثر في الآخر أميركا أم الصهاينة؟


واضاف "اذا ما اراد المجتمع الدولي فرض تسوية سياسية، يقبلها الفلسطينيون، أو عادلة، فسيحتاج لقرارات من مجلس الأمن الدولي، كما حدث مع العراق في العام 1991، وما بعده تشمل التلويح والتنفيذ بعقوبات وعزلة دولية، تدفع الصهاينة لإعادة حساباتهم بالمنطقة، وتجعلهم يقبلون بفكرة حل الدولتين، وقد تشمل هذه المقاطعة المستويات: الدبلوماسية والتعاونين الأمني والاقتصادي، والطيران، والتدريب، لتجبر الصهاينة على إعادة النظر في حساباتها، إذا ما أراد، حلا يتفق وقرارات الشرعية الدولية".


وقال لا أعتقد بأن المجتمع الدولي جاد في هذا الأمر، وبالتالي فإن التعويل على ضغط المجتمع الدولي، لتغيير الوضع الحالي، مسألة عليها جدل، إلا إذا قررت الدول بخاصة الغربية بعد الحرب على غزة، إنهاء هذه المعاناة الانسانية المستمرة منذ اكثر من سبعة عقود، واتخذت اجراءات لحلها، لحماية مصالحها اولا في المنطقة، وحتى حماية مصالح الجميع.


وأشارت الدعجة للتطور النوعي الذي رافق أساليب المقاومة وخططها وتكتيكاتها العسكرية، بما أعاد القضية الفلسطينية للواجهة العالمية، وكرس القناعات بأن لا حل عسكريا ولا أمنيا لهذا الصراع في وقت تعزز فيه بأن الحل يكمن بإيجاد أفق سياسي يضمن إقامة الدولة الفلسطينية على أساس حل الدولتين، وهو ما كان يؤكد عليه جلالة الملك عبدالله الثاني في خطاباته وتصريحاته كافة، والتي رسم بها وعبرها طريق هذا الحل السلمي بتطبيق القرارات الدولية ذات الصلة.


واضاف "وهذا ما غير الكثير من المواقف من هذا الملف، وتحديدا مواقف الدول الغربية التي اخذت تدفع نحو تبني هذا السيناريو الذي اتخذ شكل الضغط على الكيان، ومطالبته بضرورة السير فيه، لانه شكل نقطة الخلاف والتوتر في العلاقة بين نتنياهو وبايدن الذي أكد حل الدولتين، مطالبا نتنياهو الالتزام به، بخاصة في ظل القوة التي باتت تمتلكها المقاومة الفلسطينية لدرجة ان هناك من الأطراف الدولية، من بات على قناعة بان الكيان لا يمكنه تحقيق اي نصر او هدف مما اعلنه، كتدمير قدرات المقاومة وتحرير المحتجزين بالقوة العسكرية، وفرض حلول ما بعد الحرب على طريقته، لا بل إن هناك من يرى من هذه الأطراف بأنه لولا التدخل الاميركي حد الشراكة مع الكيان، فربما كانت النتائج أكثر صدمة وتأثيرا له".


وزاد، من دون إغفال الضغوطات الداخلية في الكيان، وما رافقها من انقسام داخلي سياسي وعسكري ومجتمعي، حتى ان الصهيوني نفسه لم يعد يشعر بالأمان، بعد كل هذا التطور في أساليب المقاومة العسكرية التي أخذت تفرض كلمتها وموقفها في معادلة الصراع من موقع الند للند، وباتت تشكل عوامل خارجية وداخلية ضاغطة تؤكد أهمية العودة للقرارات والمرجعيات الدولية، بوصفها السبيل الوحيد لحل الصراع وفقا لحل الدولتين، وبما يضمن اقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران (يونيو) 1967 وعاصمتها القدس الشريف.


من جهته، أكد عميد كلية القانون السابق بجامعة الزيتونة د. محمد فهمي الغزو، انه مهما بدت فكرة الحل على أساس الدولتين غير واقعية بالنسبة للبعض، فهي بالتأكيد الخيار الأكثر واقعية.


وأضاف الغزو، "لا توجد بدائل أخرى قابلة للتطبيق، فحل الدولتين خيار أقل سوءا لتمكين الفلسطينيين والصهاينة من الوفاء بحقوقهم السياسية والمدنية والإنسانية"، مؤكدا ان الدعوات لإحياء مسار هذا الحل استنفدت، وقد لا يكون هو الأمر المطلوب، اذ لا بد من تحرك بشكل مختلف، وهو الاعتراف بالدولة الفلسطينية وإدخالها الأمم المتحدة.


وأكد الغزو، أن العالم يريد من الولايات المتحدة الأمرين: وقف الحرب، وحل الدولتين. ولا شكّ بأن مسار حل الدولتين أصعب، لأنه يتطلب مفاوضات طويلة، ويتطلب قرارات صهيونية استراتيجية لا تستطيعها أو لا تقبلها حكومة اليمين المتطرف في الكيان، ما يتطلب تغيير الحكومة اليمينية المتطرفة للسير في الحل التفاوضي.


وأضاف، اليوم القضية الفلسطينية وتعقيداتها، أثبتت ضرورة أن يكون هنالك حل واقعي يغادر مربع الصفرية لكلا الطرفين، مع اهمية عمل الأطراف الدولية والإقليمية في سياق موحد، لإنجاح المهمة والابتعاد عن الحساسيات، مع ضرورة وجود موقف دولي ضاغط ومؤثر على الطرفين للمضي في العملية السلمية.

 

اقرأ أيضا:

معارضة الجمهور لحل الدولتين