الأبعاد الدستورية لرفض مشروع قانون الجرائم الإلكترونية

سيف زياد الجنيدي لجأ مجلس النواب في جلسته التشريعية الثانية والعشرين المنعقدة في 19 من الشهر الحالي إلى أحد الخيارات الدستورية للتعامل مع مشروعات القوانين، وذلك برفضه مشروع القانون المعدل لقانون الجرائم الالكترونية لسنة 2018. يبدو من ظاهر الحال أن المجلس التشريعي قد أبدى رغبته بالرفض انتصارا لمنظومة الحريات العامة التي يحوي المشروع على نصوص تمس بها، لكن من الأهمية بمكان البحث في الأبعاد الدستورية المترتبة على هذا القرار، والقنوات الدستورية اللاحقة له في ضوء النصوص والأعراف الدستورية المكملة، بهدف الخروج بنتيجة حول مدى نجاعة مثل هذا القرار في صون الحقوق والحريات العامة. إن السيناريو الأول المطروح حيال مشروع القانون، هو رفضه من قبل مجلس الأعيان، وبالتالي لا مثار لأي إشكال. أما في حال موافقة مجلس الأعيان على مشروع القانون هذا سواء بصيغته الواردة من الحكومة أو وفق تعديلات يجريها على مشروع القانون -وهذا السيناريو المطروح- فواقع الحال سيختلف حتما، وسيؤدي هذا الواقع العملي إلى إبراز القصور الدستوري في صون صلاحية البرلمان التشريعية. في حال اتخذ مجلس الأعيان الخيار الأخير المتمثل بقبول مشروع القانون سواء بصيغته الواردة من الحكومة أو بإجراء تعديلات على فحواه، فإن مشروع القانون سيعود مجددا إلى مجلس النواب ولكن بصلاحية تشريعية ضيقة أو محدودة؛ أي أن مجلس النواب يكون أمام خيارين اثنين: أولهما: الموافقة على المشروع بصيغته الواردة من مجلس الأعيان دون أن يحق للمجلس إجراء أي تعديل. وثانيهما: رفض مشروع القانون مجددا. ويأتي هذا الحكم الدستوري استنادا إلى قرار المجلس العالي لتفسير الدستور رقم (1) لسنة 1999م، والذي جاء به :(...يكون –أي مجلس النواب- قد استعمل حقه واستنفد ولايته بإحالته –أي مشروع القانون- إلى مجلس الأعيان وبهذا يكون ملزما بما قرره وعند وصول المشروع إلى مجلس الأعيان يمارس هذا المجلس حقه كاملا في بحث المشروع فله الموافقة عليه كما ورد من مجلس النواب أو إجراء أي تعديل عليه أو رده وفي هاتين الحالتين الأخيرتين يعاد المشروع إلى مجلس النواب الذي عليه إما أن يوافق على المشروع كما ورد من مجلس الأعيان أو يصر على قراره الأول. وعليه فلا يجوز له أن يعيد البحث في المواد التي سبق وأن وافق أو أبدى رأيه فيها...). إن الحكم الدستوري المضاف بموجب القرار التفسيري هذا يتنافى مع اعتبار البرلمان الممثل الشرعي للأفراد وصاحب الولاية العامة في التشريع، بل وكان يتوجب على المجلس أن يقر بالصلاحية التشريعية الكاملة لمجلس النواب (التعديل أو الرفض أو القبول) ما دام المشروع بحوزته بعد إعادته من قبل مجلس الأعيان، وعدم اعتبار سبق قبول بعض النصوص المقترحة أو رفضها سببا في حرمانه من إعادة النظر بها، واعتباره مستنفذا لولايته التشريعية بمجرد إحالة مشروع القانون إلى مجلس الأعيان؛ فامتداد الصلاحية التشريعية يجب ألا ينقطع إلا بعد استكمال مرحلة الإقرار برمتها. في ضوء ما تقدم، يمكن الوصول إلى نتيجة مفادها أن القرار المعدل للمجلس العالي لتفسير الدستور يمثل انتقاصا حقيقيا من صلاحية البرلمان التشريعية لحساب مجلس الأعيان! يضاف إلى هذا كله إشكالية عملية في حال اجتماع المجلسين بجلسة مشتركة وفقا لحكم المادة (92) من الدستور، وهي مدى قدرة مجلس النواب على توفير أغلبية الثلثين المشروطة لإعلاء كلمته باعتباره ممثل الشعب ليرفض مجددا مشروع القانون المعدل؟ حيث إن عدد أعضاء مجلس النواب (130) عضوا، بينما عدد أعضاء مجلس الأعيان (65) عضوا، وأن النسبة المشروطة للإقرار تعني توفر إرادة (130) عضوا، وهو ما يستحيل تحققه من الناحية العملية، وبالتالي فإن الواقع العملي حتما سيحرم مجلس النواب من رفض مشروع القانون في الجلسة المشتركة، وإقرار مشروع القانون بصيغته المقدمة من الحكومة والمقرة من قبل مجلس الأعيان بتعديل أو بدون تعديل، هذا دون أن يتاح لمجلس النواب إضافة حرف واحد.اضافة اعلان