الدافع البشري

معاذ دهيسات

يمكن استعراض حالة التهافت على المخابز والأسواق الغذائية في جائحة كورونا كنموذج تشريحي ومثال مناسب لعودة المجتمع إلى غرائزه بحثاً عن تأمين حاجاته الغذائية الفسيولوجية حتى ولو على حساب فقدان أمنه.
إنه هرم نظرية الدافع البشري للعالم أبراهام ماسلو والذي يدرج الاحتياجات والدوافع المحركة لكينونتنا بتراتب هرمي أفرد أسفل قاعدته للمتطلبات الجسدية ومنها توفير الغذاء، ثم يتدرج للأعلى باتجاه تحقيق الأمان، مروراً برغباتنا الاجتماعية ثم بحثنا عن التقدير وانتهاء بقمة الهرم التي يتوجها تحقيق الذات.
إنها الدوافع العميقة المحركة لكل البناء البشري والتي يمكن رؤيتها بوضوح لحظة تعرض أي نظام اجتماعي للتهديد.
بحسب أرقام منظمة الأغذية والزراعة (فاو) فإن ثلثي الإنتاج الغذائي العالمي يتوزع بين استهلاك أو هدر سكان المدن نتيجة امتيازهم بضعف التخطيط الغذائي وسوء التخزين والممارسات الثقافية السيئة.
وتحوز المدن حول العالم على سبعين بالمائة من الإمداد الغذائي، حيث يعيش اليوم حوالي أربعة مليارات شخص داخل هذه التجمعات الحضرية حول العالم وهو ما يعادل نصف سكان الكوكب، وتمتاز المدن بنمط غذائي خاطئ ينتج عنه حالة مزدوجة من سوء التغذية، فبسبب تراجع جودة الغذاء المعتمِد على أنماط غذائية غير صحية يتضاعف أعداد المصابين بالسمنة المفرطة التي تزداد باطراد.
اليوم يتم هدر ما يقارب ثلث الغذاء المنتج عالميا وتصل الخسائر الغذائية إلى ما يقارب من تريليون دولار تتوزع على سبعمائة مليار دولار في البلدان الصناعية والباقي بالبلدان النامية.
وفي سياق مواز يتحرك العالم نحو التكيف مع المتغيرات المتسارعة في بناء السلاسل الغذائية عبر ادماج التكنولوجيا في قطاع الأغذية ويتوقع أن يبلغ حجم تكنولوجيا الأغذية 250 مليار دولار خلال العامين المقبلين. وأعلنت (الفاو) رسميا عن تشكيل المجلس الرقمي الدولي للأغذية والزراعة بهدف إحاطة المنظمة بالنشاطات الغذائية.
لقد تعرضت السلاسل الغذائية حول العالم لهزة قوية نتيجة جائحة كوفيد-19 وتعد عمليات الإمداد الغذائي وشبكاتها قضية حساسة لأي طارئ يصيب المنظومة كصعود أسراب الجراد أو موجات الجفاف وغيرها من مسببات انهيار شبكة الإمداد العالمي.
الجميع اليوم وفي ظل الجائحة عاد للسؤال الأول الذي دفع أجدادنا الأردنيين لقيادة الثورة الزراعية الأولى عبر أقدم رغيف خبز صنعوه وأول منجل تم سبكه بالعظم كإشارة للوفر الإنتاجي وانتهاء بإنشاء باكورة المستوطنات الزراعية الكونية، إنه البحث عن النظام الغذائي المستدام أو الأمن الغذائي.
أردنياً لدينا اليوم مشروع شريان الحياة لقناة البحر الأحمر والأغوار والذي لم يعد ترفا قابلا للمفاوضة والتأجيل في الإنجاز بل بات أولوية مطلقة كمشروع وطني يبعث الحياة في كل متر تمر عبره القناة. اليوم علينا العودة إلى المشاريع الوطنية الكبرى حيث تخلق الفرص والحياة في الأطراف وتُحسم في المدن.
يهتم الهدف الحادي عشر من أهداف التنمية المستدامة بجعل المدن شاملة للجميع وآمنة ومستدامة، وهنا وجب إعادة بناء إستراتيجيتنا في التعاطي مع المدينة بكونها جزءا من السلسلة الغذائية من خلال ادماج النظم الغذائية في عملية التخطيط للمدينة، فهناك ما يقارب المليار إنسان حول العالم ممن يعيشون في مناطق حضرية يمارسون الزراعة ضمن حدود المدينة
عندما بدأت الجائحة لم يتدافع الناس على محلات الصاغة أو السيارات أو الإكسسوارات، لقد تهافت الجميع إلى أسواق الخضراوات والفواكه والخبز ومنتجات الحليب، ببساطة عاد الجميع الى قاعدة هرم الحاجات.
تقول حكمة للهنود الحمر:
عندما تُقطع آخرُ شجرة وعندما يُسمم آخرُ نهر وعندما تُصطاد آخرُ سمكة، عندها فقط يدرك الناس أن النقود لا تؤكل.

اضافة اعلان