شيطنة المرأة

معاذ دهيسات

عندما أراد جورج أمادو التحدث عن البرازيل، اختار تيريزا باتيستا بطلة لروايته الموشحة بذات الاسم (تيريزا)، لقد كانت المرأة التي هزمت الوباء الذي فتك بتقاسيم أهلها عبر إنسانيتها.اضافة اعلان
وفي الوقت الذي أحكم الذعر فيه نفسه على مفاصل سير وبناء المجتمع، وقفت الأنثى تيريزا مرة أخرى لتضيء الشمعة في ظلام الكراهية والمرض والبؤس. كانت تيريزا المرأة المنتصرة التي تعادلت في النهاية مع البرازيل فكانت هي الوطن الذي يحلم به الجميع.
وإلى الشمال من حدود باتيستا أو البرازيل، كانت الحرب الأهلية قد وضعت أوزارها في العالم الجديد الذي كان يتلمس بناؤه الاجتماعي المقبل بعد أن بدأت أجزاء منه إسقاط قوانين العبودية عام 1865، لكن بقيت «قوانين جيم كرو» العنصرية التي يعود تاريخها إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر تحكم أجزاء كثيرة من الولايات المتحدة، و تصنف مواد القانون ذوي البشرة السمراء من مواطني الدرجة الثانية مقارنةً بالبيض إنها ببساطة عملية التفاف على انتهاء عصر العبودية.
في العام 1924، انتقلت روزا باركس ذات البشرة السوداء، البالغة من العمر 11 عامًا، مع أسرتها للعيش في مدينة مونتجومري - ألاباما - ولاحظت تغلغل السياسة العنصرية في المنطقة ولذات السبب: قوانين جيم كرو، لم تكن تعي هي ولا كل جيلها بأن هذا الرحيل الجغرافي لهذه الجميلة سيكون من أهم مفاصل التاريخ المتعلق بحقوق الإنسان ففي اليوم الأول من شهر ديسمبر العام 1955، استقلت باركس الحافلة إلى منزلها بعد يوم عمل متعب، وفي منتصف الطريق، لاحظ سائق الحافلة أن هناك عددًا من البيض يقف بعد امتلاء المقاعد المخصصة لهم. وحسب القانون على السود إفراغ مقاعدهم لهم فأمر ببساطة الأربعة ذوي البشرة السمراء الأوائل بالترتيب بالخلف بالوقوف وترك مقاعدهم للركاب البيض.
في حين أن ثلاثة من الركاب السود أطاعوا الأوامر بشكل آلي، رفضت امرأة التخلي عن مقعدها، مؤكدة حقها في الجلوس.
كانت هذه المرأة روزا باركس، لم تدرك روزا حينها أنها قد أعلنت برفضها في تلك اللحظة عن سقوط واحدة من أهم حقب التاريخ في العبودية، حيث صنفت حادثة باركس بداية لحركات الحقوق المدنية المعاصرة لما تبعها من سلسلة تغيرات اجتماعية طال أثرها كل جغرافيا الأرض.
في العام 1956، ولدت الأفغانية مينا شور مال وكرست حياتها لبنات وطنها. نجحت مينا في العام 1977 في تأسيس، الجمعية الثورية لنساء أفغانستان (راوا)، وقادت هذا الكيان وبعد أعوام نجحت بإطلاق مجلة رسالة النساء كذراع إعلامية لصوت المرأة، لقد كانت أفغانستان بلداً يفيض بالتنوع الإنساني والثقافي قبل أن يستدرج عبر لعنة الجغرافيا لحروب الأيديولوجيا والكهنوت، وهنا كانت مينا هدفا لكل أطراف النزاع فتمت تصفيتها في أوج الصراع 1987 لإسكات صوتها.
في العام 1999 اجتمعت الحشود في ملعب كابول لكرة القدم ليطلقوا صافرة بداية مباراة كرة بقوانين جديدة حيث تم دحرجة رأس زارا مينا وهي أم لسبعة أطفال تحت ذريعة ارتكاب الفاحشة، كانت الجريمة مكتملة ومن خلالها سيحكم الثيوقراط قبضته على رقبة الإنسان لولا وجود كاميرا تابعة لفريق (راوا)، صوت مينا التي تم إسكاتها يخرج من بين ثنايا الجمهور ليرفع كرتا بلون الدم في وجه القتلة.
بين وطن تيريزا ورفض باركس وصافرة مينا كانت المرأة لا تهزم ثقافة شيطنتها فقط، بل كانت تقتل الشيطان بعينه.