مجتمعات اللاجئين والمسؤولية الدولية

د. راكز الزعارير تشكل مجتمعات اللاجئين والمهاجرين في منطقة الشرق الاوسط بشكل خاص وفي جميع أنحاء العالم بشكل عام معضلة إنسانية وموضع اهتمام وتحديا كبيرا أمام المجتمع الدولي وحقوق الإنسان والأمن الإنساني الناعم والأمن الخشن. أصبحت مجتمعات اللاجئين والمهاجرين واقعا مرعبا يهدد الدول المستضيفة على الصعد الاقتصادية والاجتماعية والأمنية وخاصة الدول التي لا تمتلك امكانيات لتوفير الاحتياجات الأساسية لهذه المجتمعات. تواجه الدول المستضيفة معضلتين، هما التوفيق بين الحقوق الانسانية للاجئين التي كفلتها القوانين والمعاهدات الدولية وأهمها معاهدة جنيف 1951، وامكانيات هذه الدول في الحصول على الدعم المالي لتوفير الاحتياجات الأساسية الانسانية لهذه المجتمعات. والثانية هي كيفية دمج هذه المجتمعات وتوفير الأمن اللازم لحمايتها من الاستهداف من قبل القوى المعادية والارهابية التي تستهدفها وتستغل احتياجات عناصر الشباب فيها بشكل خاص لتحقيق أهداف تلك الجهات. تشير إحصاءات الأمم المتحدة إلى أرقام مذهلة عن تزايد أعداد اللاجئين في العالم والمسجلين لدى المنظمة الدولية، حيث ارتفع عددهم من حوالي (10) ملايين لاجئ في 2011، الى (15) مليونا في 2014، ثم الى اكثر من (20) في 2017 وهم منتشرون في كافة انحاء العالم، منهم (5.5) مليون لاجئ فلسطيني مسجلون في اكثر من (60) مخيما في الشرق الاوسط ناهيك عن الفلسطينيين غير المسجلين. إن حالات اللجوء تنشأ ارتباطا بالظروف الانسانية في بلد الموطن الأم وتأخذ شكلين من التنفيذ، أولهما اللجوء القسري الناتج عن الهروب من الحروب والصراعات العسكرية والاحتلال بأسبابها السياسية والاقتصادية والعرقية والدينية والإرهاب وغيرها، وهي أقسى أنواع الظروف الانسانية التي تدفع الجماعات البشرية للفرار عن أوطانها للمحافظة على حياتها من القتل والموت، ومعظم هؤلاء يكونون من النساء والأطفال والشيوخ وايضا من الشباب الباحث عن الأمن والسلام، أما الشكل الثاني فهو الهجرة الاختيارية "المهاجرون" والناتجة غالبا عن الظروف الاقتصادية وأوضاع الفقر والبطالة والحرمان والدكتاتورية وعدم قيام العدالة والمساواة وعدم تمكين الإنسان من الحصول على حقوقه الأساسية في الأمن على حياته وتأمين مسكنه وتعليمه وعناية صحية وفرصة عمل تحقق له كرامة العيش، فيبحث عن وطن بديل يوفر له فرصة بديلة لتحقيق آماله وطموحه أو على الأقل تحسين ظروف حياته. مجتمعات اللاجئين والمهاجرين هي بالأصل مجتمعات انسانية محترمة ولكن عدم العدالة والمساواة الاجتماعية دفعت بهم عنوة ورغما عنهم الى الخروج من أوطانهم، وأول المهاجرين كان الأنبياء الذين انتهكت حقوقهم في أوطانهم وطردوا منها أو غادروها هروبا من ظروف ظالمة وقاسية في أوطانهم الأصلية. في الشرق الأوسط تعاني دول المنطقة وعلى رأسها الأردن ثم لبنان وتركيا من تحدي مشكلة اللاجئين، حيث يتواجد على أرض الاردن ما يزيد على (4) ملايين لاجئ بين فلسطيني وسوري وعراقي وغيرهم، وبهذا تعتبر الأردن اكبر دولة مستضيفة للاجئين في المنطقة والعالم، وهذا يضع الدولة الاردنية بكافة مؤسساتها أمام تحد كبير لتوفير الخدمات والاحتياجات لهم في ظل ظروف اقتصادية ومالية صعبة للغاية، وعدم توفير الموارد المالية الكافية لمواجهة هذا التحدي، كما أن من أكبر التحديات التي تواجه وتشغل الدول الغربية في أوروبا وأميركا الشمالية اليوم هو مجتمعات المهاجرين واللاجئين، وكيفية التعامل مع هذه الفئات الاجتماعية وباتوا يعتبرونها مصدر تهديدات عابرة للحدود على مجتمعاتهم على المستويات الاجتماعية والسياسية والأمنية وغيرها، حسب تقييمات تلك الدول. إن هذا التحدي الكبير أمام المجتمع الدولي يفرض عليه وضع استراتيجيات واتباع سياسات تدعم الدول المضيفة للاجئين بشكل جدي وسخي وعلى رأسها الأردن، والتخفيف من حدة المخاطر الإنسانية التي تفتك بهذه المجتمعات وتخلق المعضلات والمشكلات المتعددة في الدول للحكومات والمجتمعات المضيفة وعلى رأسها توفير فرص العمل لأبناء هذه الدول ثم أبناء اللاجئين فيها. في مؤتمر لندن القادم المزمع عقده نهاية الشهر الحالي حول دعم الأردن، يجب أن تصل الرسالة الأردنية بشكل واضح وجلي للمجتمع الدولي عن التحدي الكبير الذي بات يشكله مجتمع اللاجئين على المستوى الإنساني والاجتماعي والأمني على الأردن، وبشكل موضوعي ومقنع، وعن مدى كبر حجم وتأثير هذا التحدي على الأردن واستقراره، والانعكاسات السلبية لهذه القضية على المجتمع الأردني والمنطقة والمجتمع الدولي بشكل عام.اضافة اعلان