آسيا الوسطى من الهامش إلى المركز

يقول ليبوفسكي (كتاب آسيا الوسطى تبحث عن هوية جديدة) إن الإدارة اليلتسينية (يلتسين وفريقه) الجديدة في موسكو كانت تنظر إلى آسيا الوسطى باعتبارها تركة ثقيلة تريد التخلص منها، وكان يلتسين يخاف أن يرتبط مصيره بالقادة السياسيين المحافظين والفاسدين، وكان الديمقراطيون الروس يضغطون باتجاه الصداقة مع الغرب وتسريع التحول الاقتصادي إلى الرأسمالية، ولم يكن في وسط هذا الاهتمام مكان لجمهوريات آسيا الوسطى التي كان يُنظر إليها باعتبارها متخلفة تعوق التقدم والاندماج مع الغرب، وصارت قيادات آسيا الوسطى تحت رحمة القدر وفي مواجهة مصير يبدو مظلمًا وخيارات صعبة مرة، هل يتخلّون عن أوضاعهم السابقة ويعلنون إفلاسهم ويستسلمون لمصيرهم أو يتشبثون بالسلطة ويبحثون عن وضع جديد وسياسات وتحالفات ومصادر جديدة؟اضافة اعلان
لحسن حظ القادة الشيوعيين فقد كانت المعارضة الإسلامية والقومية والديمقراطية في حالة صدمة وارتباك وشلل، وكان قادتها أضعف من التقاط اللحظة التاريخية النادرة التي تشكّلت في أعقاب فشل الانقلاب العسكري في موسكو عام 1991، في حين أمسكت الأحزاب الشيوعية في آسيا الوسطى بزمام المبادرة، وغيرت أسماءها ورموزها الماركسية اللينينية بأسماء ورموز ومصطلحات إسلامية، ولم يكن ثمة حاجة لتغيير راديكالي في بنية التأثير والسياسة والاقتصاد.
المفاجأة الأكبر لهذه الدول وقياداتها أن المنطقة تحولت إلى مركز جذب دولي سياسي واقتصادي بسبب وعود النفط والغاز في المنطقة، ولكن صراعات وأزمات جديدة أصبحت مرشحة وأطلت على المنطقة، وتبيّن أن حوض بحر قزوين على درجة من التعقيد والتناقضات الاقتصادية والعرقية والدينية لا يفوقه في ذلك إلا الشرق الأوسط، ودخلت الولايات المتحدة في صراع إقليمي جديد حول المنطقة.
تسعى واشنطن لتحقيق هدفين رئيسيين، هما: استثمار طاقة حوض بحر قزوين، وضمان وصول النفط والغاز إلى أسواق الغرب بدون المرور عبر روسيا وإيران.
ومارست روسيا ضغطًا على أذربيجان وكازاخستان لكي ترسلا حصة كبيرة من صادراتهما النفطية عبر جنوب روسيا على البحر الأسود، وربما للسبب نفسه فإن روسيا شجعت حالة عدم الاستقرار في جورجيا لمنع مد خط أنابيب يمر عبرها إلى تركيا.
وانخرطت روسيا والولايات المتحدة في جهود منظمة لتقوية موقعهما العسكري في حوض بحر قزوين.
تركيا تنظر إلى آسيا الوسطى باعتبارها تمثل عمقا جغرافيًا وتاريخيًا؛ فالأمة التركية هي العرق السائد في هذه الجمهوريات (عدا طاجيكستان الفارسية)، ولم توقف تركيا علاقتها وارتباطها بآسيا الوسطى، يذكر
عبد المعطي زكي (الدور التركي في آسيا الوسطى) أنه رغم أن تركيا كانت تخضع للفكر العلماني وقت مصطفى كمال إلا أنها كانت تقوم بدور كبير في تجديد الإسلام فى دول آسيا الوسطى من خلال بناء المساجد، وإرسال الوعاظ، والعمل الإغاثي، وواصلت الحكومة بعد وفاة كمال مسؤوليتها عن المساجد، وتدريب الأئمة والتعليم الديني، وتراود تركيا أحلام العالم التركي الطوراني، أو الجامعة التركية على غرار الجامعة العربية والاتحاد الأوروبي؛ فأنشأت في 1992 مؤسسة تيكا، ومؤسسة تورك صوي، والاتحاد الاقتصادي للبحر الأسود عام 1992. وعقدت في العام نفسه قمة الدول الناطقة بالتركية، وأطلق مشروع (عشرة آلاف طالب) الذي ما يزال مستمرًا حتى الآن دعمًا للتعليم في تلك الدول، وأُنشئت جامعة خوجه أحمد التركية-الكازاخية الدولية، ولكنها مشروعات لم تُوفَّر لها الموارد المالية الكافية، كما أنها سياسات زادت من قلق روسيا وريبتها، ثم زاد النفط من تعقيدات هذه العلاقات وأدخلها في لعبة دولية معقدة.
وفي المقابل، فإن قادة دول آسيا الوسطى وبخاصة نزار باييف رئيس كازاخستان يبدون تخوفًا وحذرًا من أن تركيا تريد العودة إلى النموذج السوفيتي وقاعدة الأخ الكبير.
وتسعى إيران إلى إقامة سوق مشتركة مع هذه الجمهوريات، وقد افتتحت في 1996 خطًّا للسكك الحديدية يربطها بآسيا الوسطى (خط الحرير) يهدف إلى تسهيل نقل البضائع والتجارة، وأنشأت منظومة تعاون ثقافية مع طاجيكستان، وتخشى إيران من التأثير التركي على مواطنيها الأذريين الذين يقدر عددهم بـ 12 مليونًا.

 

 gharaibeh48@