أبواب الوهم

على باب وهم أو اثنين، كنا نغذ الخطى في شوارع بغداد، كنا نحدق في حُلُمٍ آيلٍ للنهوضِ. فقلت لـ "أطوار": هيا نطوف المدينةَ.

قالت: أأنت مودّعْ؟

- أجل. وانبريت أعدّد أسباب يأسي، فهل يا ترى كنت أمسك خيط النهايات في راحتيّ؟ أم أن كل المدائن مهجوسة بالعويل!

- أأنت مودع؟

- أجل، كنت شاهدت هذه الملامح تسقط في زمن ما من الذاكرة. ورأيت الصواريخ تأكل دجلة، مصحوبة بدعاء عبيد القرون الجديدة. وما يزال "سيد أوروك" يذرع قمة "ماشو" ويبحث عن نبتة الخلد بين شظايا الصواريخِ. قالت: لماذا تذكرني الآن بالموت؟.. آه لو نسينا قليلا، و"بُسْنا" المدينة من وجنتيها.. ضحكتُ.. ولم أنسَ أن المدينة موشومة بالجنازاتِ..

كان الحصار.. ولم تكن الحرب قد نصبت قوسها. لم تكن آفتنا في الطوائف قد ظهرت بين نهرين من شجن ودماء.

على بعد وهم أو اثنين، كنا نمدّ الخطى في شوارع بغداد، لم نتأمل من الحظ شيئا. فقد مرّ قرن الهزائم ممزوجة بالمرارات فينا، ولم تتغير قيافتنا. مرّ قرن الهزائمِ فينا، وما يزال يسبقنا الساسة الطيبون إلى الكاميراتِ، ويتلون شعرا رديئا عن الموت والانبعاثِ.

وكنا ثلاثة.. لم نكترث عادة بالمواقيت.. أو هكذا ندّعي.

على بعد جيل من الوهم، كنا نعدّد أبواب "سوق الصفافير"، نملأ آذاننا بصراخ الحديد، وكنت لأقسم أني رأيت هنالك وجها كأمي.. ولكنّ شكل السواد نهاني. صمتُّ.. فقالت: علامكَ؟

قلت أنا.. ربما أي شيء، فكيف سأذكر أعوامنا كلها!! وكيف سأذكر تاريخ كل الدروب التي شاقنا مشيها!!

وبغداد حاضرة بوشيش القطارات، حاضرة في ملامح "أطوار".. كانت تطارد ضوء المدينة من شارع نحو آخر، حتى تفيء إليها القلوب.

وبغداد حاضرة في نُواح الثكالى.. تسرّح شعر "أطوار"، قبل الحجاب، وتغزل من وجع المتعبين "سفينة نوح" لموتى جديدين كل صباحْ.

-"أحب المدينةْ"!!.. أظن بأني هجستُ، فقالت: وبغداد أيضا تحب الغريبين، تعشق كل الذين يجيئونها يحملون تعبا أو شجنا.

ما الذي سوف أذكره من مساءات بغداد، أو ما الذي سوف أهمله في الكتابة؟!

عالم ظلّ يحيا معي.. يدخن تبغي، ويشرب حزنيَ حدّ النخاع.

ما الذي سوف أحسبه ضاعَ؟

بغداد، أطوار، نبضي هناك، صباحات فندقنا المنتشي بالنوافير، سيرة الساهرين على الماء، مساءات "كان زمان"..

أم وجع السفر الحلو، بين هلالين لم ينبتا غير رمل وموتى كثيرينْ.

ما الذي سوف أنساه منها؟

... ... ...

اضافة اعلان

مرّتِ السنوات وكلي هناك!!