أثواب أمي.. أكثر من ذكرى..!

فهمتُ أن جيل بنات وحفيدات الفلسطينيات في المنفى، أصبحن يتنافسن على بقايا أثواب الأمهات والجدات القديمة المطرزة يدوياً بالحرير. يذهبن بها إلى خياط شاطر أو خياطة، فيقص "العروق" ويلصقها على قماش جديد. بعد ذلك، تعلقها البنات في الخزائن، يعرضنها في المعارض، يرتدينها في مناسبة أو يحتفظن بها هناك فقط، كقطعة من الحنين.اضافة اعلان
لا أعرف لماذا فكرت في الأثواب بالتحديد في عيد الأم قبل يومين. لم تكن لدي مشاريع عملية في ذلك اليوم. لا زيارة ولا هدايا وقد رحلت أمي عن الدنيا منذ زمن. لكني تفاعلت مع المناسبة بالتساؤل عن أين ذهبت أثواب أمي. لا أعرف إذا كانت شقيقاتي قد أخذنها واحتفظن بها بعد رحيل الوالدة، لكنني لم أشاهد أثوابها منذ رحلت. أو لعلي أخلط: في مرات نادرة أشاهد أثواب أمي المطرزة على أبدان أمهات يشبهنها ما يزلن على قيد اللجوء. دائماً أتصورهن هي. يخدعني الوعي لحظة وأكاد أنادي: يمّا! لكنّ غياب الأثواب المطرزة باليد تكاثف كثيراً، وبدا وكأنه تآمر على ذكرى أمي، أو لعله انحاز إلى فكرة السلوّ و"نعمة النسيان" لتخدير الذاكرة؟!
كانت أمّي والثوب الفلاحي الفلسطيني شيئاً واحداً. تتزيا قبل نهوض الشمس ولا أتذكرها بدونه يوماً واحداً حتى يومها الأخير. ولم تكن وحيدة في ذلك؛ كذلك كانت كل عمّاتي وبناتهن والجارات. كان الثوب الفلسطيني المطرز بعد نكبات فلسطين جزءاً كامل الحضور في مشهد أماكن اللجوء اليومي، بل وجزءاً من نشاطها الحيوي نفسه. لم يَكن ذلك الزيّ يُشترى من السوق بلا عاطفة كفساتين اليوم، وإنّما كان يُصنع "قطبة قطبة"، بدأب عاشقة وبراعة فنّانة. وعندما يستوي الثوب مكتملاً، محملاً بذلك البستان الكامل من الورود والألوان، لم يكن المرء يفكر بالكيفية التي انتظمت بها عشرات آلاف الغرز وانعقدت بها الخيطان لتصنع هذا الكيان المعجِز. لم يكن المعنيّون بذلك الحاضر "العادي" يقدرون فنيّات الصنعة، لأنّ تطريز الثوب الفلسطيني كان جزءاً من ممارسة الحياة الفلسطينية نفسها. وحتى بعد النكبة والنكسة، لم تجد اللاجئات استمرار هذا النمط ترفاً وتنكراً لفكرة الحزن. كان وكأن ارتداء الثوب الفلسطيني، بنفس كيفياته وجهد صناعته، تمسُّك غريزي بالهوية المهددة -ليس بطاقة في الحافظة أو كتابة في السجلات، وإنما ثوب يلف الجسد كله من العنق حتى القدمين، ويقول كله عن صاحبته: أنا فلسطينية.
بالنسبة لنا نحن المولودين في المنفى، كانت أثواب الأمهات المميزة تعني بالضبط فلسطين، بل وتجعل الوطن البعيد قريباً قُرب الحياة. كان الكثيرون منّا، نحن الصغار، يحبون صحبة الأمهات في الرحلة التي تكسر الرتابة إلى السوق، ويشاهدون كيف ينتقين "طبب" أو "كبب" الحرير، وشبكات النسيج البيضاء "الماركة" والإبر و"الكشتبانات". وبعد ذلك رسم "العروق" على ورق التجليد وجلوس النساء الطويل على نسج الهوية، ملمتراً في إثر ملمتر.
لا أدري إذا كان الفقر ولطمة اللجوء قد تمكنا أخيراً من اختزال مساحة الحرير على أثواب الأمهات وجعلاها أقل وفاء للمعايير الموروثة من زمن لا بداية له. لكنّ اختصار التطريز بمرور السنين بدا لي نظيراً لنحول الهوية ونوعاً من الجفاء الذي يقترفه البُعد. وعندما هجرت الأجيال الجديدة من الفلسطينيات الثوب العريق كله من الأساس، بدا ذلك نوعاً من قلة الوفاء. ربّما يكون من الإفراط في الطوباوية تصوّر الفلسطينيات يتمسكن في المنافي بالثوب إياه، لكنّ ثمة منطقاً وراء تمني أن يكون الأمر كذلك، لأن هذا الثوب بالتحديد أكثر من مجرد تراث: إنّه تعبير وجودي الدلالة عن بقاء هوية هي الأكثر استهدافاً بالشطب والإلغاء في العالَم.
الآن، بعد كل هذه السنين، ما أزال أحنّ إلى أمّي بطريقة مركبة ربما لا يعرفها سوى المصابين بانقطاع الجذور. أفتقد أمّي- الأم التي لم يتمكن من تعويض غيابها أي شيء. وأيضاً، أتفقد غياب أثوابها التي لا أتصورها إلا فيها، والتي تماهت بها هي وكل أولئك الأمهات مع الوطن الذي ابتعد عندما رحلن. دائماً أتحسّس في يوم الأم، ليس غياباً واحداً، وإنّما جملة غيابات تصنع فقداناً فاجع الألم، ليس له نظير! 

alaeddin1963@