أرجوكم: ارحمونا!

المشهد السوري مؤثر جداً في وجدان الأردنيين جميعاً، ليس فقط للبعد القومي والإسلامي، ولا فقط للجوار الجغرافي، بل حتى بسبب الصلات الوثيقة بين الشام وعمان ثقافياً واجتماعياً وسياسياً.اضافة اعلان
اليوم، لم تعد نسبة كبيرة من المواطنين تقتصر على ما يبث في الفضائيات، فقد نقل "الإعلام المجتمعي" الصورة المباشرة غير المفلترة إلى منزل كل مواطن، وأصبح من يملك الموبايل والتواصل عبر النت إعلامياً بإمكانه إحداث تأثيرات هائلة وقلب المعادلة السياسية في دول معينة، كما حدث عندما تحول مقتل الشاب خالد سعيد والروايات حوله على "اليوتيوب" إلى شرارة الثورة المصرية التي أطاحت بنظام الرئيس مبارك.
في سورية، فإنّ مشاهدة اليوتيوب على الشبكة العنكبوتية، كفيلة بتقديم مؤشرات صارمة وحاسمة على نهاية النظام الدموي القمعي هناك، بخاصة بعد ما حدث خلال المظاهرات والمسيرات الأخيرة من تقتيل وذبح بدم بارد للمدنيين العزل المسالمين، وهي علامة الانهيار التي سبقتها إليها مصر وتونس، وفي الطريق ليبيا واليمن.
شاهدت في الأيام الماضية مقاطع فظيعة ومؤذية لضرب مبرّح تعرّض له أستاذ جامعي سوري على أيدي الأمن السوري، مع الألفاظ النابية ضده، وأمام الجميع، فقط لأنه انتقد النظام السوري، وشاهدت مقاطع لفتيات ونساء تم اعتقالهن بوحشية من الشارع لأنهن هتفن للحرية في دمشق، فضلاً عن صور صادمة وقاسية لأطفال ومدنيين تعرّضوا لرصاص القناصة والأمن الذي تحوّل إلى أداة للقتل والإذلال بلا رحمة ولا إنسانية، وهي مشاهد ربما لم نرَ مثيلاً لها حتى في عدوان إسرائيل على غزة!
في سياق هذا المشهد المبكي والمؤلم خرج علينا مدير مكتب الجزيرة غسان بن جدّو، باستقالته احتجاجاً على التحول في تغطية الجزيرة للمجازر التي تحدث هناك، وهو ما يظهر بوضوح ازدواجية الخطاب لدى نسبة كبيرة من الذين ينادون بالحرية والديمقراطية، ويتهمون الإدارة الأميركية بالازدواجية، وهم "أسياد" هذه الشيزوفرينيا والشرخ الكبير بين الأجندات الشخصية والقيم التي لا يجوز أن تتجزأ.
الحال، نفسها، نجدها لدى طيف من المعارضة الأردنية، وقد صُدمت بشدّة وأنا أجد هنالك من "معارضينا" من يغمض عينه تماماً عن المجازر والفظائع في سورية، ويبرر ما يحدث، بحجة سخيفة سمجة اسمها "حصن الممانعة"!
أيّ "ممانعة" هذه! النظام الذي يقتّل شعبه ويدوس على كرامة مواطنه ويفتك بالإنسان وقيمته، هذا لا يمكن أن يكون نظام ممانعة، ولن يوفر حماية لكرامة الأمة ولشعوبها وأوطانها. كفى خداعاً وتلبيساً على الناس، وكفى استهتاراً بعقولنا!
يجري تبرير الفساد والاستبداد والأذية واللصوصية وقمع الناس وقتلهم وإرهابهم والمجازر الدموية والاعتداء على الأعراض بحجة المقاومة والممانعة! في حين لم تطلق طلقة واحدة من الحدود السورية منذ احتلال الجولان، ولم تردّ سورية على أي اعتداء إسرائيلي، حتى ضرب الإسرائيليون قلب دمشق، وأصبح رد الفعل السوري "مضغة" على ألسنة الناس: "سنرد بالوقت المناسب"، ثم يخرج علينا من يطالب بالديمقراطية في عمان، ليدافع عن الاستبداد في دمشق!
إمّا أنّنا نؤمن بالديمقراطية وحقوق الإنسان وكرامته وحريته وحقوقه، وبأنّ الطريق إلى العزة القومية والإسلامية لا تمر إلاّ عبر الإنسان المواطن النبيل، الذي يعرف طعم الحرية وقيمتها، وإما أننا لا نؤمن بذلك، ولا يجوز أن أطالب بذلك في مكان وأنقلب على نفسي في مكان آخر!
أرجوكم أيها الأصدقاء: ارحمونا!