أسباب التطرف: حكاية عهدين

 

في فيلم (Rendition 2007)  (الترحيل القسري الاستثنائي) من بطولة الفنانة العالمية ميريل ستريب والذي تلعب فيه دور كورين وايتمان مديرة قسم مكافحة الإرهاب في الـ سي أي إيه، الجهاز الذي يشتبه بوجود علاقة للأميركي من أصول عربية أنور الإبراهيمي (يلعب دوره عمر متولي) مع منظمة إرهابية فيتم ترحيله قسرياً لإحدى الدول العربية ليتم تعذيبه، وبغض النظر عن التفاصيل هناك حوار بين وايتمان وإيزابيل زوجة الإبراهيمي الأميركية الحامل (تلعب دورها ريس ويذرسبون) والتي تسعى لإنقاذ زوجها، وبطريقة أو بأخرى تلتقي الزوجة بوايتمان وتسألها عن زوجها، وبعد بعض الإنكار تجيب وايتمان: "عزيزتي: هذا عمل قذر. الليلة هناك في لندن 7000 شخص حي بسبب معلومة أخذت عبر هذه الطريقة، بينما انت تريدين انقاذ حياة شخص واحد. أحفادي في لندن وأنا فخورة بعملي، وأنت لست كذلك". إيزابيل تجيب: "وماذا لو كان حفيدك هو الإبراهيمي؟".

اضافة اعلان

وفي اقتباس أخر تبرر وايتمان سياسات مكافحة الارهاب "الوقائية"، ومن ضمنها "الترحيل القسري"، فتقول: "لدينا مثل يقول: اضرب زوجتك كل صباح حتى لو لم تكن تعلم أنت لماذا، فهي تعلم". الحوار والمقولة تعبر عن سياسات مكافحة الإرهاب التي اتخذتها الولايات المتحدة، ومعظم دول العالم، على نهج الإدارة الأميركية السابقة برئاسة جورج دبليو بوش، ومقولته الشهيرة: "إما معنا أو ضدنا"، والذهنية التي حكمت تلك الحقبة. مناسبة الحديث هذا الآن هو الجدل الدائر في الغرب، وتحديداً في الولايات المتحدة الأميركية، حول مدى نجاعة الأساليب التي استخدمت في مكافحة الارهاب، والأولوية بين الأمن وحقوق الإنسان.

ولعل من نافلة القول التذكير بأن الولايات المتحدة ومنذ الحادي عشر من سبتمبر 2001 بقيت آمنة من العمليات الإرهابية إلا أن حلفاءها تعرضوا للعمليات الارهابية، ومصالحها الاقتصادية، وخاصة النفط، ومصالحها البشرية، كانت تحت التهديد المباشر للسلفيين-الجهاديين، وإن كان هذا يعبر عن التأثير على المستوى السياسي فإن للتأثير الرمزي للعمليات "غير القانونية"، وغير الانسانية دورا كبيرا في تسهيل عمليات التجنيد من قبل التيارات السلفية-الجهادية، ولعل احصاء بسيطا لعدد الذين ألبسوا الألوان البرتقالية يدلل على التأثير الذي مارسه معتقل غوانتناموا، وكذلك ملاحظة تزايد العمليات الانتحارية في العراق بعد الكشف عن فضيحة أبو غريب عام 2004، وما إلى ذلك.

المحاججون بعدم صحة إغلاق غوانتنامو يدللون على صحة رأيهم بأن عددا من "خريجي" المعتقل عاودوا الانضمام للجماعات السلفية-الجهادية، وبعضهم نفذ عمليات انتحارية، سواء في العراق أو في الصومال، وقد أظهر تقرير لوزارة الدفاع  الأميركية "البنتاغون" أن 5% من معتقلي غونتانامو "انخرطوا في نشاطات إرهابية"، ونسبة 9% شاركوا في عمليات ضد الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها. وهذا يدلل على أن غونتانامو لم تكن "تأهيلاً" لهؤلاء السلفيين الجهاديين.

على المستوى الفكري، هناك مدرسة سيطرت، منذ الحادي عشر من سبتمبر، على تفسير عمليات التجنيد، وانضمام الشبان في الشرق الأوسط، للجمات السلفية-الجهادية، بالعامل الخارجي فقط، بينما العامل الداخلي، أو ما يمكن وصفه بـ "العنف البنيوي" الممارس ضدهم، من الفقر، والبطالة، وانعدام الفرص المستقبلية، وغياب القنوات السلمية للمارسة السياسية...الخ، بقي من الحكايات غير المروية في بروز الظاهرة.

وهو الأمر الذي ينبئ باستمرارية الظاهرة باعتبار أن العوامل المؤثرة في ظهورها يتم تجاهلها، وبالتالي تبقيها فاعلة ومؤدية دورها الوظيفي Functional  في انتاج السلفيين-الجهاديين واستمرراهم نشطين، وذلك على النقيض، مثلاً، من تجربة الأوروبية مع الجماعات التي تتخذ من العنف وسيلة للتغيير كـ "بادر ماينهوف" في ألمانيا، أو "الألوية الحمراء" في إيطاليا، أو الجيش الجمهوري الإيرلندي، أو غيرها، حيث أنها ظواهر انتهت حيث إن المجتمعات والدول استطاعت استيعاب التناقضات التي أفرزت مثل هذه الجماعات، أو بكلمات أخرى استطاعت القنوات السلمية للممارسة السياسة احتواء العنف الممارس من قبل تلك الجماعات، ويبدو الآن أن الفرصة مواتية في العالم، وخاصة في العالم العربي، لتجاوز الثماني سنوات الماضية من "مكافحة الارهاب".

*باحث متخصص في شؤون الجماعات الإسلامية مقيم في لندن