أفول السُنّة!

من الكتب المهمة في تفسير ما يحدث في المنطقة (وقد صدرت طبعته العربية مؤخراً)، كتاب "أفول أهل السُنّة: التهجير الطائفي وميليشيات الموت وحياة المنفى بعد الغزو الأمريكي للعراق"، للصحفية الأميركية، ديبورا أموس.اضافة اعلان
تكمن المفارقة في أنّ الطبعة الإنجليزية من الكتاب صدرت في العام 2010، أي قبل أحداث "الربيع العربي"، وتحديداً التطورات الأخيرة في العراق. وربما هذا بحد ذاته ما يعطي أهمية وقوة لكتاب أموس؛ إذ ترسّم عبر فصول الكتاب -التي تختزل رواية ما وقع بحق السنّة في العراق من أهوال وتطهير طائفي وتهجير وهجرة وقتل، منذ العام 2003 إلى حين تلك اللحظة- الأسباب الحقيقية التي أدت إلى المشهد الراهن!
قيمة هذا الكتاب وفضيلته تكمنان في أنّه سلّط الضوء بجدارة واقتدار على الأزمة السُنيّة العميقة، والمأساة التي لم يكن هناك إدراك حقيقي لها من قبل الغرب، ولا حتى الأنظمة العربية. فبينما كان يجري التركيز على "القاعدة" وما تقوم به من أعمال بوصفها منظمة إرهابية، كان هنالك تجاهل كبير للأسباب والشروط التي تؤدي إلى صعودها، ومن ذلك الإرهاب والإقصاء والتهميش الذي يمارس من الطرف الآخر؛ أي فرق الموت التابعة للفصائل والقوى الشيعية المتطرفة، والتي أصبحت عملياً تدير الأجهزة الأمنية وتتغلغل في الجيش ومؤسسات الدولة.
أفول السُنّة هو نفسه المأزق الوطني العربي، والذي يتمثّل اليوم في مأزق أو بعبارة أدق نهاية الدولة الوطنية العربية، وعدم وجود قوى سُنّية عربية تمثّل رافعة إقليمية ومصدراً للقوة لدى المجتمعات والشعوب والدول العربية، أو حتى مشروعا سياسيا بديلا يملأ الفراغ الراهن المرعب؛ بل على النقيض من ذلك، تسعى الدول السنّية المحافظة التي ما تزال متماسكة شكلياً حتى اللحظة، إلى مقاومة أي تغيير، ولو كان سلمياً، وتأخذ مواقف معادية لدولة مثل تركيا، يمكن أن تشكل حليفاً لملء الفراغ، وتدفع أجنداتها وسياساتها المرتبطة بحالة الضعف الشديد التي تعاني منها، إلى الفوضى والانهيار السُنّي المشهود.
وقد يكون توماس ليبرمان محقّاً عندما يقول (في مقال له في صحيفة "واشنطن بوست" عن كتاب أموس): لو كنت مسؤولاً عن تقديم قائمة بالكتب المطلوبة في الغرب لفهم الشرق الأوسط، فلن أبدأ بكتاب أموس، بل بكتاب ديفيد فرومكين "سلام ما بعده سلام"، والذي يشرح كيف تشكّل الشرق الأوسط الجديد، ورُسمت الدولة الوطنية العربية على أنقاض الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى، بينما سأنهي القائمة بكتاب أموس "أفول أهل السنة" الذي يقدّم التراجيديا التي انتهت إليها الأحداث التي تلت الفترة التي تحدث عنها فرومكين.
ربما الفصل الذي يشعرك بقلق أكثر وحزن أعمق، هو ما يتعلق بما تسميه أموس من كان في مرحلة الطفولة حين اندلعت الحرب مع إيران، وفي سن الصبا إبان احتلال الكويت، ومراهقاً طوال سنين الحصار البغيض، وشاباً عاصر سقوط بغداد الثالث على يد الأميركيين، ولذا صار هذا الجيل جاهزاً للانضمام إلى أي فصيل قتالي من طائفته. وقد نقلت عن عراقي مهاجر جملة مختصرة لكنها دالة، إذ قال: إن إعادة إعمار العراق أمر سهل، لكن الصعوبة تكمن في إعادة الحياة إليه.
من الطبيعي أننا لن نقف عند الجيل العراقي المفقود، بل الجيل السوري واليمني والليبي وغيرهم ممن سنفقدهم في أتون هذه الفوضى والحروب الأهلية الداخلية. وربما هذا وذاك يقودنا إلى ذلك الكائن المسخ الذي حذّرنا منه الروائي العراقي أحمد السعداوي، في روايته "فرانكشتاين في بغداد"؛ ذلك "الكائن الجديد" الذي ينمو في أحشاء الظلم والخوف والتهميش، ليصبح بطلاً في المشهد العربي!