"أكلنا الفلم".. التهديد والوعيد لا ينفعان

بلهجة تحذيرية، خاطب وزير التخطيط والتعاون الدولي عماد فاخوري، المشاركين في القمة العالمية للعمل الإنساني التي عقدت في اسطنبول، بالقول: "لا يجوز اعتبار الالتزامات الأردنية تجاه اللاجئين السوريين شيئا مسلما به، في ظل تدني حجم المساعدات التي تلقتها المملكة للآن، والتي لم ترق إلى الحد الأدنى المطلوب".اضافة اعلان
مع الاحترام لكلام الوزير المطلع، والمعني بملف المساعدات الدولية للاجئين، أعتقد أن الوقت قد فات على التهديد والتحذير. اللاجئون الذين تخطوا عتبة المليون، صاروا بيننا، وما نزال نستقبل يوميا ما لا يقل عن مئتي لاجئ.
هؤلاء، ومئات الآلاف الذين سبقوهم، لن نستطيع التخلي عنهم، حتى لو توقف المانحون عن تقديم أي مساعدات للأردن. بات لزاما علينا أن نوفر لهم غرفا صفية ومعلمين وعيادات طبية، وفرص عمل. وبخلاف ذلك، سيضطر الكثيرون منهم لانتهاج وسائل وطرق غير قانونية لتأمين متطلبات حياتهم. ومع مرور الزمن، سيتحولون لكتلة حرجة تهدد أمن واستقرار المجتمع.
واللاجئ السوري للأردن ليس مثل أقرانه في تركيا مثلا؛ هناك يتطلع السوري نحو الغرب، ويجازف برحلة بحرية محفوفة بالمخاطر للوصول إلى إحدى الدول الأوروبية، بينما اللاجئ في الأردن يعلم أنه يقف عند الجدار الأخير؛ فلا منافذ بحرية للغرب، ولا حدودا برية مفتوحة لدول أخرى.
وبهذا المعنى، فإن الأردن لا يملك ورقة التهديد التي تلوح بها تركيا كلما تقاعس المجتمع الدولي عن مساعدتها.
نحن يا معالي الوزير، وبالقول الشعبي الدارج "أكلنا الفلم"، وليس أمامنا سوى خيار واحد، هو العمل بكل الوسائل المتاحة لتأمين عودة أكبر عدد ممكن من اللاجئين إلى ديارهم.
تفيد إحصائية أممية بأن 42 % من اللاجئين في الأردن هم من محافظة درعا التي لا تبعد سوى بضعة كيلومترات عن الحدود الأردنية. وإذا ما أضفنا إليهم أبناء ريف دمشق، تقفز النسبة فوق حاجز الخمسين بالمئة.
الأوضاع الأمنية في درعا ليست سيئة بقدر محافظات سورية أخرى، كحلب مثلا، أو إدلب التي تسيطر عليها جبهة النصرة. وكانت حتى وقت قريب مستقرة تماما مقارنة مع غيرها.
ينبغي أن نكثف جهودنا، كما كنا نفعل من وقت طويل، على استعادة الهدوء في درعا التي ما تزال تعتمد في سد حاجاتها من المواد الأساسية على المساعدات الدولية عبر الأردن، وأن نوفر الظروف التي تحفز اللاجئين من أبناء درعا على العودة إلى قراهم وبلداتهم، خاصة أن خطر تنظيم "داعش" الإرهابي في تلك المناطق في تراجع ملحوظ.
متطلبات العودة بالنسبة لأبناء المناطق الريفية ليست كثيرة؛ فإذا ما توفر الحد المعقول من الاستقرار الأمني، يستطيع الناس هناك ممارسة أعمالهم في الزراعة، وتأمين مستلزمات الحياة الكريمة.
إذا ما نجحنا في وضع خطة على مدار سنة مثلا، لعودة أكبر عدد ممكن من لاجئي درعا، فإننا بذلك نتخلص من نصف أعباء اللجوء، بما يساعدنا على حشد الموارد والمساعدات المتوفرة لتلبية احتياجات النصف الثاني من اللاجئين، إلى أن تتوفر ظروف عودتهم إلى بلادهم.
ليس من خيار أمامنا سوى خيار العودة للاجئين. أما البكاء على عتبات المانحين، وإطلاق التهديدات الخطابية، فلن تجد من يسمعها أو يرتعد خوفا من عواقبها. فالعالم يعرف أنْ ليس بيدنا شيء لنفعله، سوى القبول بالأمر الواقع واستقبال المزيد من اللاجئين.