أمريكا ونشر "الحرية" في العالم

 
      ثمة حقيقة سياسية في الحياة الدولية, او بين سياسات مختلف الدول, تكاد لا يرقى اليها شك في نظر كثيرين, وتدعمها تجربة غالبية شعوب العالم الثالث, هذه الحقيقة تتعلق بالولايات المتحدة الاميركية ومن قبلها, ومعها, الدول ذات الطابع الاستعماري الامبريالي التي لعبت دورا عالميا خلال المائتي سنة الماضية, فما يمكن ان يقال عن الكوارث والسلبيات التي ألحقتها هذه الدول, وما زالت اميركا تواصلها, في حياة غالبية شعوب العالم وحرياتهم وتقدمهم وثرواتهم ومستقبلهم ومصائرهم لا تعد ولا تحصى, لكن لنتأمل في الجانب الاخر من المشهد الاميركي.

اضافة اعلان


فالولايات المتحدة استهلت وجودها بإبادة عشرات الملايين من الهنود الحمر اصحاب اميركا الاصليين, وكانت ابادة جسدية افنائية, وحضارية وثقافية الغائية, حتى لم يبق منهم احياء غير قلة مهمشة يرثى لحالها الى يومنا هذا, ثم اسندت هذا الوجود منذ بداياته, ولأكثر من مائتين وخمسين عاما بعد ذلك باسترقاق عشرات الملايين من الافارقة, وقد ابيد منهم ملايين, وعرف من بقوا احياء صنوفا من العبودية والمذلة والقهر والاستغلال البشع, ثم ما لبثوا, بعد تحريرهم ان رزحوا تحت نظام عنصري يميز ضدهم بسبب اللون والاصل, اي استمرت العبودية دون امتلاك الافراد, وبلا سوط واغلال حديد, هذا ومازالت ألوان من التمييز العنصري, غير المباشر وغير القانوني, يمارس ضد السود و"الهسبانك" واليوم ضد العرب والمسلمين سياسيا بحجة محاربة الارهاب.


      ثم هنالك الكثير مما يمكن ان يقال فيما لاقته نقابات الطبقة العامة الاميركية (بيضاء وغير بيضاء) على ايدي منظمات "المافيا" التي اطلقت ايديها لشل الحركة العمالية منذ اوائل القرن العشرين, وقد اثبتت فاعلية مشهودة في اجهاض نضالاتها المطلبية, وتحويل قياداتها الى توابع للاجهزة, ولاصحاب رؤوس الاموال, وفي الحرب العالمية الثانية عومل الاميركيون من الاصل الياباني كما يعامل "الوباء" بوضعهم في المعتقلات تحوطا من مساعدة العدو الياباني, وهكذا تبخرت حقوق الانسان وما تضمنه الدستور الاميركي باعتبارهم مواطنين, على مدى اربعة اعوام, ثم في اوائل الخمسينات جاءت موجة "الماكارثية" تحت شعار "محاربة الشيوعية" لتشن عملية تطهير واسعة في صفوف الفنانين والكتاب والمثقفين, الامر الذي خنق حرية الفكر والنقد في الجامعات, وفي مجالات الفن والادب ليبقى النقد السطحي الجزئي, والمسيطر عليه, هو الاضاءات القليلة التي تعرفها الديمقراطية الاميركية, ومن يتعدى الحدود يكبت بالتهميش والابتزاز ومطاردته في رزقه.


     وتجيء القوانين الصادرة بعد 11/9/2001 ومنها محاربة الارهاب "والباثريونك اكت" كما الممارسة لتعلق الجرس بالنسبة الى المؤسسات الحقوقية ومنظمات حقوق الانسان, وقد علت الاصوات التي تفضح انتهاك الدستور, والاعتداء على حق المواطن الاميركي, ومصادره في الاعلام, كما ضج القضاء الاميركي من تعذيب سجناء كوانتانامو وحرمانهم من كل حق ورد في اتفاقات جينف الرابعة, او الدستور الاميركي, ومع كل هذا, ومن دون ان تطرف له عين, يقدم الرئيس الاميركي جورج دبليو بوش نفسه "رسولا" لنشر الحرية في العالم لا سيما في البلدان العربية والاسلامية, ولا ينسى روسيا والصين وكوبا وكوريا الشمالية وكل دولة لا تدخل في بيت الطاعة الاميركية, وبالمناسبة اعترف بوش واعترفت مؤخرا وزيرة خارجيته كونداليزا رايس ان اميركا دعمت الدول الدكتاتورية في منطقتنا طوال ستين عاما, اما سجلها خلال الستين سنة المذكورة في اميركا اللاتينية في مجالات الانقلابات على الانظمة الديمقراطية وتزويد الدكتاتوريات العسكرية بخبراء التعذيب فحدث عنه ولا حرج.


      والسؤال, بعد ان نتجاوز هذا التمادي على الحرية والحقيقة والتاريخ من جانب ادارة بوش اذ تنصب نفسها "ناشرة الحرية في العالم", هو: ما الذي تغير في هذه النقلة التي لا دليل عليها غير ادعاء البعض ان هجمات 11 ايلول/ سبتمبر هي التي اقتضتها ودفعت اليها? طبعا يمكن لادارة بوش ان تدعي ذلك بسبب حاجاتها الى مسوغ امام كل ذلك التاريخ المعادي لابسط حقوق الانسان ناهيك عن حريته, لكن لا يجوز تصديقها لأن ما يحكم السياسات الاميركية ليس ردة الفعل ولا المبادئ, وانما ما تطرحه من استراتيجية في كل مرحلة من مراحل هيمنتها العالمية.


وهذا ما يؤكده التدقيق في الاستراتيجية الاميركية التي طرحتها ادارة بوش في 20 ايلول/ سبتمبر ,2002 اي اقامة نظام عالمي, على ضوء موازين القوى العسكرية السائدة, يتسم باحادية القطبية, وذلك من خلال سياسة القوة وفي مقدمتها "الحرب الوقائية" او "الاستباقية" مما يتعارض تعارضا صارخا مع مبدأ الحرية لكل الشعوب ولكل انسان.


ومن ثم اذا كان لا بد للسياسة من ان تخضع لهذه الاستراتيجية فسيكون التعامل مع موضوع الحرية ضمن معيار مزدوج, وهذا يفسر لماذا كانت روسيا بقيادة فلاديمير بوتين, الى ما قبل بضعة اشهر دولة ديمقراطية صديقة, واذا بها الان تصبح دولة سائرة على طريق الدكتاتورية "الاستبداد والتوتاليتيرية" وراحت تفتح في وجهها ملفات حقوق الانسان, ويؤول كل اجراء داخلي باعتباره ارتدادا عن الديمقراطية, اما تفسير ذلك فلا علاقة له بالنظام الروسي وانما بالغضب من السياسات الروسية التي ابعدت بعض مراكز القوى المؤمركة المصهينة في الداخل, واتخذت بعض المواقف الدولية المعارضة, ولو على الخفيف للسياسات الاميركية في العراق مثلا.


اما اذا كانت الاستراتيجية الاميركية في منطقتنا قد جعلت اولويتها ما وضعته الاستراتيجية الاسرائيلية من اولوية فهذا يعني ان موضوع الاصلاح باتجاه الحرية والديمقراطية يشكل اداة ابتزاز لخدمة تلك الاستراتيجية, فالمعيار يصبح مدى استجابة كل دولة لهذه الاستراتيجية, وهذا يفسر مثلا التفاوت في الضغوط الاميركية على الدول العربية في موضوع "الاصلاح والديمقراطية" وسوف يتأكد بعد حين ان كل دولة تبدأ بتلبية القائمة المتعلقة بالمطالب الاسرائيلية منها ستسمع مديحا لكل خطوة تأخذها باتجاه الاصلاح والديقراطية, ولو كانت شكلية, ومفرغة من محتواها وسوف يعتبرها "داعية الحرية "خطوات في طريق الحرية والديمقراطية حتى لو لم يتغير اي شيء حقيقي في طبيعة النظام بل حتى لو امعن في تزوير الانتخابات وتلاعب بقوانينها وتمادى في الاعتداء على الحريات وحقوق الانسان, وغير الدستور.


      فاذا كانت ادارة بوش تخطت كل الادارات الاميركية في انتهاكاتها لحقوق الانسان بما في ذلك "الماكارثية" فكيف لا تتفهم ان يفعل غيرها ذلك ان كان في السياسة قد كسب رضا الدولة العبرية.


وبالمناسبة هل هنالك نظام اثبت انه ديمقراطي اكثر من النظام في فنزويلا, في عهد هوغو شافيز, حيث اعاد الاستفتاء على رئاسته قبل انتهائها بسنتين, ومع ذلك تهاجمه الادارة الاميركية الى حد صدرت بوادر, كما حذر شافيز نفسه, لاغتياله الامر الذي يؤكد ان مناداة بوش بالحرية والديمقراطية كذبة كبرى وخدعة مفضوحة.