أميركا هزمت فمن انتصر في العراق؟

هل ستسحب أميركا خمسين ألف جندي خلال عام أم مئة وخمسين؟ سؤال لا معنى له. المعنى أن أميركا قررت أن تنسحب مهزومة من العراق. هذا لا يقلل من المراسم البروتوكولية لدولة عظمى متفردة بقيادة العالم. فهي تنسحب بأصول وتقاليد تليق بها. لن يشاهد العالم جنودا أميركيين يحزمون خيامهم وأمتعتهم يتراكضون وراء الشاحنات التي تقلهم مدبرين إلى مطار بغداد وصولا لطائرات (السي ون ثيرتي) التي تطير بهم إلى الأهل الذين يستقبلونهم في أرض الوطن معانقين دامعين.

اضافة اعلان

مشهد كهذا لم تقبله سورية في لبنان فكيف بأميركا؟! هزيمة أعتى قوة عرفها التاريخ البشري تكمن في فشلها تحقيق أهدافها، وهي أهداف لم تكن يوما سرية. أميركا دخلت العراق كما دخلت ذات يوم اليابان, كل ما تحتاجه حاكم عسكري - ينفذ برنامجا ثقافيا واقتصاديا واجتماعيا وفي النهاية سياسيا وعسكريا- ينقل العراق كما نقلت اليابان من بلد معاد يشعر بالتفوق على أميركا إلى بلد موال تابع لها، وثقافة غربية واقتصاد سوق ومجتمع علماني وبلد يقيم علاقات دافئة مع إسرائيل فيه قواعد عسكرية أميركية ضاربة.

قوة عراق "ما بعد صدام"  في جاذبيته نموذجا آسرا لدول الجوار ابتداء، ثم في المحيط العربي والإسلامي. النساء في السعودية سيحرقن العباءة تأسيا بالمرأة العراقية، العمائم ستختفي من إيران بعد أن ترمى في نهر الفرات، مافيات الفساد ستسلم نفسها للقضاء بعد أن تشاهد المسؤولين في العراق الذين لا يعرفون معنى كلمات رشوة وعمولة ناهيك عن سرقة ونهب، لا يأخذون غير رواتبهم بعد اقتطاع الضرائب منها. أما أجهزة القمع التي تمارس الاغتيال والتعذيب (ثقب الرؤوس وفتح الصدور وبتر الأعضاء، والكي والكهرباء، كما في الفيلم الإيطالي عن الفلوجة وفيلم سي إن إن عن سجون وزارة الداخلية) فهي جزء من الماضي المقبور.

ما حصل عكس ما خططت له أميركا، فقد فشل جارنر وفشل من بعده بريمر وفشلهم يهون عن فشل من جاءوا من بعدهما. تكفي هنا شهادة إياد علاوي الذي قتل صدام زوجته عندما قال: ان انتهاكات حقوق الإنسان في عراق اليوم أسوأ منها في عهد صدام! أميركا، أقله في المخيال الشعبي الذي ترسمه الصورة التلفزيونية بالدرجة الأولى، جاءت بذريعة الكشف عن أسلحة الدمار الشامل فلم تجدها واستخدمتها في الفلوجة. وجاءت لتكشف عن مقابر جماعية فأقامت مقابرها، وجاءت لتنصف الشيعة والأكراد فظلمت السنة وجاءت وجاءت..

هل كان من مصلحة المنطقة هزيمة أميركا؟ أم من مصلحة العراق؟ المؤكد أنه في مصلحة ثلاثة قوى متناقضة، فالمستفيد من هزيمة المشروع الأميركي في العراق ثلاثة مشاريع هي القاعدة وإيران والأكراد. وفي حال حدث انسحاب أميركي كامل يصعب التنبؤ من سينتصر على الآخر. مصانع القاعدة في العراق صارت مصدرة بعد أن ظلت مستوردة في أول عامين، إيران غدت على حدود السعودية ودول الخليج، أما الأكراد فاستقلالهم لا يحتاج أكثر من عودة الرئيس العراقي من بغداد إلى السليمانية معلنا مع حليفه اللدود مسعود برزاني جمهورية كردستان وتنازله عن رئاسة العراق متعدد الأعراق وقبوله رئاسة العرق الكردي.

هل سيكتفي المحافظون الجدد بهزيمة في العراق، أم سيجربون انتصارا جديدا في سورية كانتصاريهم في العراق وافغانستان من قبل! المؤكد أن الوصول لساحة المرجة في قلب دمشق لن يحتاج أكثر من أربع وعشرين ساعة، لكن الخروج منها لن يكون بسرعة تقل عما شهدناه في العراق.

[email protected]