أنانية وانغلاق

 

لا نحتاج الى قراءة ما وراء الصفحة الاولى، وما أمام الشاشة وما خلفها لكي نكتشف حجم الانغلاق الذي تمارسه كل يوم وسائل الاعلام العربية، وحجم الأنانية المفرطة حول الذات التي تعاني منها النخب الاعلامية العربية ايضا، ما يوصلنا بالنتيجة الى مصادر حالة الانغلاق والعصابية التي تعاني منها المجتمعات العربية المعاصرة، ولعل قياس شدة الاهتمام والمتابعة الذي مارسته وسائل الإعلام العربية لحادثة عمال المناجم في تشيلي والتي حبست أنفاس العالم لأيام طويلة تفضح بشكل مدو؛ كم نعيش على قضايانا وصراعاتنا التي تشغل العالم ولا يشغلنا او يلفت انتباهنا شاردة ولا واردة خلف حلبة صراعاتنا الكبرى.

اضافة اعلان

بكل أسف وخجل لم تأخذ هذه الحادثة الانسانية الكبيرة أي اهتمام يذكر من قبل وسائل الأعلام العربية، ولم أجد على مدى اكثر من شهرين من تفاعلات الحادثة وعلى مدى ثلاثة أيام من عملية الإنقاذ التي أدهشت العالم، ما يذكر او يرجع اليه من تعليقات الكتاب العرب في نحو خمس عشرة صحيفة عربية على مدى تلك الايام، ليس لأن الاعلام العربي مغرق في المحلية، وفي تفاصيل شؤون الداخل العربي، وليس لضعف في الامكانيات، وليس لأكثر من حالة انغلاق ونمطية في الاهتمامات أدمن عليها المجتمع الإعلامي العربي، وانتقلت العدوى للمجتمعات وربما العكس أيضا.

حادثة منجم سان خوسيه في شمال تشيلي صاغت دراما إنسانية وسياسية فريدة وعظيمة قدمتها وسائل الإعلام في مشهد إنساني عز نظيره، حضره العالم وتفاعلوا معه عن قرب وبعد، وغاب عنه العرب، على بعد 700 متر في عمق الأرض بقي العمال التشيليون 69 يوما بعدما انهارعليهم منجم النحاس الضخم، وبعد حالة يأس عاشتها تشيلي في الأيام الأولى، وفي اليوم السابع عشر من المأساة عثرت كاميرات البحث على العمال الذين رفعوا لافتات تقول إنهم جميعا على قيد الحياة وبخير. وزفّ الرئيس سباتيان بينيرا الخبر المدهش بنفسه الى شعبه، ليبدأ فصل جديد من الدراما الذي تابعها العالم لحظة بلحظة.

لم تشهد حادثة إنقاذ او كارثة طبيعية أو صناعية حجم الاهتمام والتركيز الإعلامي الذي وجدته هذه الحادثة؛ ووصفه أحد المعلقين لوكالة الانباء الفرنسية بأنه تجاوز في الكم الهائل من الصحافيين والفضائيات الاهتمام بقمة مجموعة الثماني الكبار، غابة من الكاميرات، المناطق المحيطة بالمنجم أصبحت مخيمات للصحافيين. وفي أيام الإنقاذ الأخيرة وعلى مدى 72 ساعة، نقلت محطات التلفزة العالمية عملية الإنقاذ مباشرة. وخلال الأيام التسعة والستين أنتجت عشرات الافلام الوثائقية عن أبطال الحادثة.

ثمة أصوات تتساءل لماذا كل هذا الاهتمام بهذه الحادثة، رغم انه لم تقع فيها اي ضحية، ولماذا لم نر هذا الاهتمام والتركيز الإعلامي العالمي في كوارث كبرى، مثل فيضانات الباكستان الاخيرة وما خلفته من آلاف الضحايا وحوالي 26 مليون مشرد، ونحو 45 بليون دولار من الخسائر، أو كوارث الأوحال السامة التي اجتاحت غرب المجر، وحتى حوادث المناجم التي شهدتها مناجم الصين العام الماضي وراح ضحيتها أكثر من الفي عامل.

من المنظور الإعلامي والإنساني تبدو أهمية الدراما الأخبارية التشيلية في أنها لم تسجل أي ضحية، بعد موت محقق ومؤكد. إن موت إنسان واحد أو مليون إنسان أو إنقاذ انسان أو مليون إنسان من منظور الكارثة والحياة لا يقاس بالكم، واذا ما تعودنا على أن الأخبار هي الأخبار السيئة، فإن الحادثة التشيلية قد غيرت مزاج العالم، وثمة أمر آخر يمنح هذه الحادثة المزيد من الاحتفاء يتمثل في أن عملية الإنقاذ التي بدت في الأيام الأولى شبه مستحيلة أنجزت في دولة نامية وبموارد محدودة.

ترى كيف نغير مزاج الناس في هذا الجزء من العالم ونعيدهم إلى إنسانيتهم ؟