أنظمة دولية فرعية في عالم بلا أقطاب

 

أغرى التدخل الروسي العسكري  في جورجيا كثيرون بالحديث عن تعددية قطبية مقبلة تحكم النظام الدولي، ومن هؤلاء كتّاب عالميون وعرب، ومنهم ساسة وقادة دول، على أنّ هناك العديد من الأسباب للقول إنّ هذه التعددية لن تتحقق، وفي الوقت ذاته فإنّ الأحادية القطبية الأميركية انتهت، بل إنّ فكرة النظام الدولي القائم على الأقطاب، سواء "المتعددة"، أو "الثنائية"، أو "الأحادية"، لم تعد مدخلا مناسبا للتحليل، وعلى الباحثين التفكير في نمط جديد ومصطلحات جديدة للتحليل، ويبدو ليس واقعيّا تعويل بعض العرب على عودة الاستقطاب بشكله التقليدي، إذ يبدو العالم كمن يدخل نظاما دوليا جديدا، يمكن تسميته بأنّه عالم بلا أقطاب كما قال بالفعل ريتشارد هاس، في مقاله "عصر اللاقطبية" في عدد مجلة فورين أفيرز، لشهري آيار/ حزيران، الفائت، والأهم، هو أننا سنعيش نوعا من الأنظمة الاقليمية الفرعية التي ترتبط بمناطق معينة، من دون غيرها، وسنشهد وضعا معقدا حيث هناك دول عظمى بدون طموح دولي واسع، وسنشهد أوضاعا فيها خلاف وربما صراع بين قوى عظمى في مناطق وملفات معينة، بينما هناك توافق وتفاهم بين ذات الدول في مناطق وملفات أخرى. 

اضافة اعلان

عدم وجود أقطاب دوليين يكاد يكون أمرا محسوما، بما في ذلك تراجع الولايات المتحدة الأميركية، فرغم أنّ الولايات المتحدة هي أكبر اقتصاد عالمي (دخلها القومي 14 ترليون دولار وهو ما يعادل ربع الدخل القومي العالمي)، ورغم أنّها أكبر قوة عسكرية عالمية (تنفق بين 500- 700 بليون دولار سنويّا على جيشها)، فإنّها تعاني حالات من مثل "عدم الفاعلية العسكريّة"، فرغم القوة الأميركية الساحقة، إلا أنّ هذه القوة تمددت على نحو أكبر مما هي مهيأة له، وخصوصا على صعيد الجاهزية البشريّة، وهو ما تفاقم بعد التدخل في العراق وأفغانستان، ولم تعد الأداة العسكرية الأميركية فاعلة في كثير من الملفات. كما أنّ الاقتصاد الأميركي يعاني التراجع الحاد، وهناك مخاوف حقيقية من فقدان الدولار لدوره السياسي – الاقتصادي، ولعل ظاهرة الصناديق السيادية الخليجية العربيّة والروسية والصينية ومسارعتها للاستثمار في الولايات المتحدة، واضطرار الأخيرة للترحيب بهذه الصناديق التي بلغت موجوداتها نحو 3 ترليون دولار ويتوقع أن تنمو بواقع ترليون واحد سنويّا، هو إشارة لواقع الاقتصاد الأميركي المنكمش. ومن الواضح أنّ دبلوماسية المساعدات الاقتصادية وحتى العسكرية الأميركية تفقد قدرتها على حسم كثير من القضايا، وما يحدث في العراق من عدم سيطرة على الحلفاء الذين أوصلتهم واشنطن للحكم، وما يحدث في باكستان من رفض للسيناريوهات الأميركية من قبل حلفاء واشنطن، والعجز عن إدارة أزمة جورجيا، ليست سوى أدلة على هذا العجز. كما أن المنظمات الدولية، مثل الأمم المتحدة، لم تعد تعكس الإرادة الأميركية، مع رفض الصين وروسيا وأحيانا أوروبا مجاراة خطط واشنطن.

أمّا بالنسبة لروسيا والصين فكلاهما يفتقر لأيديولوجيا للتدخل الخارجي، سوى في مناطق محددة، إذ علينا أن نتذكر أن فكرة الاشتراكية العالمية، لم تعد موجودة وأنّ المصالح التي تحرك سياسات هذه الدول، ليست برجماتية وحسب، بل ومرتبطة أيضا بالقوى الكبرى العالمية الأخرى. فالنظام الاقتصادي في كل من روسيا والصين نظام رأسمالي، وفي حالة روسيا، فإنّ جزءا من النظام الاقتصادي متداخل مع مصالح النخب الحاكمة، وتحديدا رئيس الوزراء، الرئيس الأسبق، فلاديمير بوتين، الذي يدور جدل حول ثروته الشخصية الهائلة، أو على الأقل التي يسيطر عليها شخصيّا منذ كان رئيسا، والتي يؤمن بها جزءا من نفوذه السياسي.  ولا يمكن أن تصل العلاقات بين روسيا وباقي العالم الغربي للقطيعة، إذ إنّ قوة روسيا الراهنة مدفوعة بارتفاع أسعار النفط والغاز، وروسيا تصدّر جزءا كبيرا جدا من بترولها وغازها إلى أوروبا الغربية، وصادرات النفط والغاز تشكل 64% من صادرات روسيا، وحتى صادراتها إلى الولايات المتحدة زادت نحو الضعف في السنوات الثلاث الماضية، لتصل إلى 400 ألف برميل يوميا، وغالبية إن لم يكن جميع مستوردي الغاز الرئيسيين من روسيا، أعضاء أو على وشك أن يصبحوا أعضاء في حلف شمال الأطلسي "الناتو". وتستثمر روسيا الكثير من أموال صندوقها السيادي في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، وهذا الصندوق بنهاية العام 2007، كان يحتوي على 158 بليون دولار، أو نحو 12% من الدخل القومي السنوي لروسيا، كما أنّ خمسة من أكبر 6 شركاء تجاريين مع روسيا، بحسب أرقام 2004 وهم (هولندا، وألمانيا، وأوكرانيا، وإيطاليا، والصين، والولايات المتحدة)، هم من دول حلف (الناتو) أو الدول القريبة من عضويته (أوكرانيا).

أمّا الصين فوضعها مشابه، وفكرة المنافسة المفتوحة مع الولايات المتحدة مستبعدة لأنّ الأخيرة هي الشريك التجاري الأكبر لها، وهي أكبر مستورد للبضائع الصينية، ونمت صادرات الصين لها، بين عامي 1995 و 2005 بنحو 30%، بينما تعتبر الولايات المتحدة رابع مورد إلى الصين ولم تزد نسبة المستوردات الصينية منها، للفترة المذكورة سوى 9%، وفي عام 2007 استوردت الولايات المتحدة من الصين بقيمة 321.5  بليون  دولار وصدرت لها بضائع بقيمة 65.2  بليون  دولار. كما أنّ العقيدة العسكرية الصينية وبناء الجيش الصيني لا يتضمنان أي استعدادات لتدخل محتمل خارج نطاق الصين الإقليمي، ولا طموح لتواجد عسكري وسياسي في أنحاء واسعة حول العالم. ولنتذكر أنّه بينما ذهبت دول من أوروبا الغربية حد التحفظ والإدانة للتدخل الأميركي في العراق عام 2003، اكتفت الصين، رغم مصالحها الاقتصادية مع العراق آنذاك، بأن قامت "بالتعبير عن القلق" من الغزو. 

بطبيعة الحال هذا "التشابك" الاقتصادي لا يلغي وجود خلافات وصراعات بين الدول الثلاث، ولكن من المهم إدراك أن كلا من الصين وروسيا قد يدخلان في صراعات فعليّة، في محيطهما الإقليمي، ولكن ليس مواجهات دولية مفتوحة، فبالنسبة للصين فإنّها تركز سياستها الخارجية على بحر الصين الجنوبي، وتبدو تايوان، وبدرجة أقل كوريا الشمالية، هي مصدر قلق الصين الفعلي، أمّا بالنسبة لدول مثل السودان وإيران، فإنّ ما يمكن أن تقوم به الصين هو "عدم التعاون"، وعدم تسهيل مهمة واشنطن في فرض عقوبات دولية، أمّا توقع مواجهة عسكرية أو اقتصادية من روسيا أو الصين من أجل دول مثل سورية أو إيران فهو مستبعد، (كما كان عليه الأمر بالنسبة للعراق).

وبالنسبة لروسيا، فقد سارعت لتوضيح أنّ مواجهتها في جورجيا لن تتحول لمواجهة عالميّة، فمثلا، نقلت وسائل إعلام روسية قبل أيّام على هامش زيارة الرئيس السوري بشار الأسد، إلى روسيا، عن وزير الخارجية الروسي، سيرجي لافروف قوله إنّ بلاده مستعدة لدراسة طلب دمشق شراء أسلحة شرط عدم الإخلال في "موازين القوى" في الشرق الأوسط، ونسبت "جيروزالم بوست"، إلى السفير الروسي في إسرائيل قوله إنّ بلاده ليس لديها نية لنشر منظومة صواريخ "اسكندر" البالستية القادرة على شل منظومات الدفاع الصاروخية المعادية، وذلك تعقيبا على تصريح الأسد أنّ بلاده لا تمانع التفاوض مع موسكو حول نشر هذه المنظومة، وعقب تأييد سورية للعمل العسكري الروسي في جورجيا.

الخلافات بين الدول الكبرى ممكنة، والاستفادة منها ممكن، كما في حالة الاستفادة الإيرانية من التكنولوجيا النووية الروسية، وربما للحصول على أسلحة صينية وروسية من قبل دول عدة، وحتى لاعتبار الصين وجهة استثمارية بديلة للغرب، كما يحدث من قبل دول الخليج العربية، ولكن ذلك كله يجب أن يتم مع الأخذ بالاعتبار أنّ فكرة الاستقطاب المفتوح، وخصوصا الأيديولوجي انتهت، وأنّه بقدر ما هناك مصالح متعارضة هناك مصالح تتلاقى، وأننا أمام مجموعة أنظمة دولية فرعيّة، فمثلا أسس العلاقة في آسيا ومواقف الصين واليابان والولايات المتحدة لها اعتباراتها التي لن تنسحب بالضرورة على علاقة الصين مع واشنطن في مناطق مثل الشرق الأوسط، وستلعب الصين مثلا دور الدولة العظمى في تلك المنظومة الدولية الفرعيّة، ولكن ليس في كل مكان، وهذا ينطبق بدرجة أقل على روسيا، تماما كما يمكن اعتبار إيران مثلا دولة كبرى طامحة في منظومة الشرق الأوسط.

فكرة الاستقطاب المفتوح الاستراتيجي تبدو مستبعدة، وفكرة العالم بلا أقطاب أقرب للواقع، وبدل ذلك هناك أقطاب في مستويات إقليمية، لذا التحالفات مع الدول الكبرى، غير الولايات المتحدة، من قبل دول الشرق الأوسط، ستكون دائما ممكنة، وأحيانا مفيدة، على أسس مصالح محددة متغيرة تكتيكية قصيرة المدى مع إدراك أنّه لا يوجد تحالفات أيديولوجية بالمعنى التقليدي حيث تصبح دولة مثل روسيا أو الصين مظلة عسكرية وسياسية واقتصادية دائمة، واستعداد هذه الدول للدخول في مواجهات خارج إطار قضاياها الحيوية الوطنية والإقليمية المباشرة محدود.

*باحث أردني مقيم بالإمارات