أن تقرأ بقلبك

سواء كان الأستاذ منزعجا من قراءتنا الهامسة، عندما كان يدعنا نقرأ بصمت؛ أو أراد أن يعلمنا القراءة الصامتة، فإنني تعلمتها ثم فضلتها على القراءة المسموعة. حتى إني كنت أفضلها في الصلاة في تلاوة الفتح والتسبيح، فنبهني كثير من الأئمة والأساتذة إلى أنني يجب أن أسمع نفسي وأنا أقرأ الفاتحة؛ فصرت أقرأ همسا، ثم أعيد القراءة بصمت لأني لم أعد أطمئن الى القراءة الهامسة، وأشعر أني حين أصمت تماما أقرأ بقلبي وأسمع نفسي على نحو أفضل!اضافة اعلان
والحال أن القراءة فعل معقد وعميق، وأبعد بكثير من المهارات التي تعلمناها في حصة القراءة. فهي استماع طويل للنص المقروء، ثم تحليله وإعادة انتاجه؛ هي عملية يشارك فيها العقل والقلب والأعصاب والخيال والنظر.. والحواس كلها. وقد كانت في المجتمع الغربي ميزة أرستقراطية محرمة على الناس. حتى الكتاب المقدس كانت محرمة قراءته إلى القرن الخامس عشر، إلا للكهنة، وكانت طباعته في سياق ثورة دينية امتدت قرونا طويلة. وفي الهندوسية أيضا، كانت قراءة النصوص المقدسة محرمة على الناس إلا البراهمة، ومن يقبض عليه يقرأ النص الديني كان يصب في أذنه الرصاص المصهور! وكانت القراءة محرمة على العبيد في الولايات المتحدة، يعاقب فاعلها، وقد تصل العقوبة في حال تكرارها إلى الإعدام! (نتحدث عن القرن التاسع عشر، أي "امبارح").
يقول الكاتب الأرجنتيني ألبرتو مانغويل: إن تاريخ القراءة لا نهاية له في الواقع، وهو ما يمكننا جميعا من أن نسهم فيه ونضيف إليه؛ بدءا من جمع الكتب واقتنائها، وانتهاء بالقراءة الممنوعة، مرورا بعشق الكتب والقراءة، وتصميم الكتب وتجليدها وحفظها، وسرقة الكتب واستعارتها، والقراءة خلف الجدران وفي السجون أو في أجنحة الحريم، وغير ذلك الكثير من الصور، كما الطباعة والتغليف والأحاديث والصالونات.. فتاريخ القراءة عملية مستمرة من دون توقف، ولكل قارئ منا قصته وأسراره.
وربما وجد الإنسان الذي يواجه الفناء ويتطلع إلى الخلود، حيلة في "القراءة" تجعله خالدا. فهو يقرأ الماضي ويطلع عليه، ويقدم فكره وتجربته لمن بعده، ليبقى خالدا! ويتذكر الإنسان ما يقرأ ويحفظه، وهو في ذلك ربما تدفعه أشواق الخلود والبقاء. وكان بعض الناس قادرين على حفظ ما يقرأونه لمرة واحدة، وكان الحفظ من الحيل التي يلتف بها "فدائيو العلم" على ندرة الكتب أو منعها؛ فتتحول الكتب إلى جزء من كيان الإنسان يستحيل نزعه.
ومن أعجب أخبار الكتب، إحراقها وإتلافها؛ ليس فقط على أيدي الغلاة والغزاة، كما فعل المغول في بغداد. كما أنه في القرن الخامس قبل الميلاد أحرقت كتب بروتاغودراس في أثينا، وفي القرن الثالث قبل الميلاد أمر الإمبراطور الصيني شيهوانغ تي بإحراق جميع الكتب في البلاد، وكان يشرف على عمليات الإعدام هذه ويتابعها بنفسه. وفي أواخر القرن التاسع عشر، أسس أنتوني كومستوك جمعية لملاحقة الكتب (وناشريها) التي تشجع على الرذيلة، بمقياسه ومفهومه. وقد نجح في دفع الحكومة إلى اعتقال العشرات من المؤلفين والمثقفين، انتحر 15 منهم على الأقل في السجون، كما أتلفت مئات الأطنان من الكتب. ومن أقوال كومستوك إن العالم سيكون أفضل لو لم تكن ثمة قراءة. ويقول عن نفسه إنه نجح في إدانة أربعة آلاف شخص، وأباد ملايين الصور واللوحات ومائتي طن من الكتب، منها أعمال تولستوي وبرنارد شو وبلزاك وولت ويتمان.
لكن هناك من العلماء والفلاسفة من أحرقوا كتبهم بأنفسهم، مثل أبو حيان التوحيدي في القرن الحادي عشر الميلادي، وهو مؤلف كتب عظيمة، منها الإمتاع والمؤانسة، والإشارات الإلهية، والهوامل والشوامل، والمقابسات. ومن هؤلاء العلماء والفلاسفة أيضا أبو سليمان الداراني، وسفيان الثوري، وأبو سعيد السيرافي. ولعلها ظاهرة تحتاج إلى مساحة مخصصة لها.