أهلاً بعودة مهرجان جرش

إذا سمعتَ اسم مهرجان "كان"، تفكر مباشرة في فرنسا، وتتمنى لو كنتَ هناك. وإذا سمعت اسم مهرجان "قرطاج"، فإنك تفكر في تونس، وتحلم بالتجوال في أنحائها. وقد صنعنا يوماً شيئاً كهذا للأردن، وأصبح مهرجان جرش حدَثاً يضعنا في عناوين الأخبار، وأمام العدسات والأعين. واستطاع هذا المهرجان في يوم من الأيّام أن يُصبح مؤسسة ثقافية وإبداعية مفوّضة، يَسعى إلى نيل مصادقتها وشهادتها كبار الفنّانين والمبدعين في الوطن العربي وغيره، ويفاخرون: لقد وقفتُ أيضاً على مسارح جرش. بل كان الظهور في هذا المهرجان شهادة ميلاد لنجوم انطلقوا من هناك إلى فضاءات الفن الأرحب. وفي تلك الأيام، تنافست الفضائيات على حقوق عرض فعاليات المهرجان الزاهي، والاحترام الذي حققه كفعالية رصينة ومتميزة.اضافة اعلان
لا يمكن اعتبار المهرجانات الكبيرة ترفاً وكماليات عند الدول الواعية للسياقات الكونية المعاصرة. وهناك كلّ مسوّغ لبذل الدول الحيّة كل إمكاناتها من أجل استضافة مهرجان كبير، رياضيّ أو ثقافي أو فنيّ. ولا حصْر للغايات التي يخدمها ذلك في ظل التشابك الحتمي بين المتغيرات. ففي المقام الأول، تسعى كل أمّة إلى تأكيد حضورها على المسرح العالمي، وحيازة قدر من الانتباه في زحمة التنافس على زوايا المشهد. ويتبع ذلك في المقام الثاني، تسويق البلد المعني ثقافياً وسياحياً، بل وسياسياً أيضاً. وبالإضافة إلى التفاعل والاحتكاك الصحيين للمكونات الثقافية المحلية مع مثيلاتها الخارجية، تنعكسُ آثار الفعاليات من هذا النوع مباشرة في نشاط المجتمع، وإنعاش الأعمال الصغيرة وتحسين أداء الاقتصاد بشكل عام. وقد لاحظنا في الأخبار مؤخراً كيف انتعشت أسواق الأرجنتين وفنادقها بتقاطُر الزوار الذين أمّوها من الدول المجاورة لمشاهدة الحدث الرياضي هناك.
من ناحية عملية، شكّل إحياء مهرجان جرش مناسبة لخدمة المدينة الأثرية الرائعة. فقد استلزم الاهتمام بإصلاح الهيئة وتحسين البنية التحتية للمدينة وبيئتها لخدمة إنجاح المهرجان، بما يفيد مجتمعها المحلي. كما وضع المهرجان تحت الضوء موضعاً أثرياً فريداً وهائلاً، يشكّل في الأساس ثروة حضارية وكنزاً للأردن ينبغي استثماره على كافة الصُّعد. وكما جاهدنا في سبيل تصنيف البتراء ضمن عجائب الدنيا، فإن المهرجان يقدم فرصة جديرة بالاحتفاء لتسويق جرش كتراث إنساني أيضاً. والفارق بين التنافس العالمي على الفوز بتصنيف أو استضافة حدث وبين مهرجان محلي، هو أنّ المهرجانات تُقام بإرادة ذاتية، ومن دون عناء الصراع في المحافل الدولية. ثم يعتمد نجاحها وتنافسيتها على جودة إدارتها المحلية، وكذلك حجم مردودها وتنوعه.
النظر إلى المهرجانات والرياضة والفنون باعتبارها عمل من لا عمل له، وانصرافاً عن الجدية وترويجاً للكمالي والفائض، نظرٌ قاصر لا ينتمي قطعاً إلى هذا العصر. وهو يذكرنا بما ذهب إليه التشدد في بعض الأماكن من حظر الرياضات والموسيقى والفنّ بمعظم أشكاله، باعتبار هذه التجليات البشرية الطبيعية تعدياً على الأخلاق وترويجاً للمفاسد. لكن هذه النشاطات الحاضرة بقوة في الخبرة البشرية، تظل قابلة مثل كل شيء، إلى إساءة الاستعمال أو إحسانه. وكم نسيء إلى أنفسنا إذا شككنا في قدرتنا دائماً على استخراج عسَل الأشياء واستعماله في تحلية الذائقة، وإثراء الثقافة الراقية التي تضيف إلى التسامي الروحي والأخلاقي.
بقي أن ننبّه إلى الاحتمالات التي عادة ما تصاحبُ الأحداث العامة. ففي حين يوفر لنا المهرجان فرصة ثمينة للبناء على تراثه وحضوره الذي تكرّس ببالغ الجهد، فإنه يضعنا أيضاً أمام مسؤولية الحفاظ على المستوى الذي تحقّق في الماضي، والبناء عليه نحو العالمية. وكما جرت عادة الأمور، فإنّ الناس ينتظرون العائد بالتوقع، ولا يرتاحون إذا عاد خالي الوفاض وأقل ألقاً. ولذلك، نتمنى على منظمي المهرجان أن يتعاملوا معه ببالغ الجدية والعناية. والفشل هذه المرة يمكن أن يخيب الأمل، ويسيء للأردن وصورته. أما تقويض تاريخ المهرجان وسمعته، فخذلان للذين أسسوه وقادوا خطاه الأولى بقدر ما هو خذلان لنا جميعاً.
أهلاً بانبعاث الحياة والأضواء في أركان المدينة الحجرية العابقة بالتاريخ. أهلاً بأرواح الفنانين الذين أبدعوا على مسارح جرش قبل قرون، ويعودون منتشين بصحوة الذاكرة. أهلاً بعودة مهرجان جرش، وبكل ما يضع الأردن ملء العين، كما يليق به، موئلاً للإبداع والتحضر.

[email protected]