أوقات الذعر لدى الاحتياطي الفيدرالي

أصبح تخبط وزير الخزانة الأميركية هنري بولسون أكثر إثارة وحبساً للأنفاس في كل أسبوع يمضي. ففي نهاية شهر آذار (مارس) الماضي أخرج وزير الخزانة خطة كبيرة لتتويج مجلس الاحتياطي الفيدرالي (بنك أميركا المركزي) كعامل استقرار مالي جديد للأمة. هل الاحتياطي الفيدرالي هو حقاً من يوفر الاستقرار؟ إنه هو الذي خلق المشكلة المالية التي نعاني منها!

اضافة اعلان

وإذا لم يكن ما فعله سيئاً بما فيه الكفاية، فقد تنطح وزير الخزانة دور القائد المشجع لبكين طالباً منها رفع قيمة اليوان الصيني مقابل الدولار. وبينما يعمل كل ما في وسعه لتخفيض قيمة العملة الأميركية، فإن بولسون يدعونا إلى البقاء هادئين وواثقين بدعوى أن العوامل الاقتصادية ما زالت سليمة. إنه بذلك يذكرني بالمتعامل في السندات المالية الذي يُقدم خدمة غالية لشركائه عن طريق كونه مخطئاً طوال الوقت.

خلال فترة ولاية غرينسبان–بيرنانكي، اعتنق الاحتياطي الفيدرالي وجهة النظر القائلة بأن الاستقرار في الاقتصاد والاستقرار في الأسعار هما شيئان منسجمان يتممان بعضهما بعضاً. فما دام التضخم باقيا على المستوى المحدد أو أقل منه فإن قاعدة العمل هي الإصابة بالذعر لرؤية أي اضطراب حقيقي أو متصوّر للاقتصاد، وتقديم إغاثة طارئة سريعة. الاحتياطي الفيدرالي يفعل ذلك عن طريق تخفيض نسب الفوائد إلى ما هو أدنى من سعر السوق لو كان السوق هو الذي يحددها. وعندما تُصبح نسب الفوائد منخفضة بشكل غير طبيعي فإن المستهلكين يخفضون من توفيراتهم لصالح الاستهلاك، كما يرفع المستثمرون من نسب إنفاقهم على الاستثمار.

ومن ثم يتكون لديك اختلال بين التوفير والاستثمار. ويكون لديك اقتصاد غير قابل للنمو المستدام. هذا باختصار هو الدرس الذي تعلمناه للنظام النقدي المركزي الذي تم تطويره في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي. فقد حذّر علماء الاقتصاد النمساويون من أن استقرار مستوى الأسعار قد يكون متعارضاً مع الاستقرار الاقتصادي وقد ركّزوا تركيزاً كبيراً على حقيقية أن مستوى الأسعار كما تُقاس عادة إنما تشمل البضائع والخدمات فقط. أسعار الموجودات تُستثنى منها. (جوهر القياس الذي يتبعه الاحتياطي الفيدرالي لقياس أسعار المستهلكين، بطبيعة الحال لا يشمل حتى جميع البضائع والخدمات). وقد توصّل النمساويون إلى نتيجة مفادها أن الاستقرار المالي يجب أن يشتمل على بُعد يمتد إلى إدخال أسعار الموجودات، وأن التغيّرات في الأسعار المقارنة لمجموعة مختلفة من السلع والخدمات والموجودات هي أمر بالغ الأهمية. فبالنسبة للمدرسة النمساوية للاقتصاد يمكن أن يكون الاقتصاد المستقر متوافقاً مع سياسة نقدية تكون فيها الأسعار في انخفاض طفيف.

الأزمة المالية الأميركية الحالية تتبع النمط الكلاسيكي. ففي عام 2002 صدر عن المحافظ بيرنانكي صفارات إنذار تقول بأن التباطؤ الاقتصادي يُهدد الاقتصاد الأميركي. وقد أقنع زملاءه أعضاء المجلس بذلك الخطر. وكما عبّر عن ذلك غرينسبان "إننا نواجه تحديات جديدة في الحفاظ على استقرار الأسعار، وبشكل خاص بتجنب هبوط التضخم إلى مستويات منخفضة أكثر من اللازم."

ففي مواجهة احتمال انكماش اقتصادي، أصاب الاحتياطي الفيدرالي الذعر. وما أن جاء شهر تموز (يوليو) 2003 حتى أصبح معدل نسب الأموال الفيدرالية بمستوى قياسي منخفض بأقل من 1% حيث ظلت في ذلك المستوى المنخفض على امتداد سنة كاملة. وقد أدى ذلك إلى وقوع أم جميع دورات السيولة الحديثة، وكما توقع أعضاء المدرسة النمساوية، انتهى انتعاش التسهيلات المالية نهاية سيئة.

وحفاظاً على النمط الذي دأب على اتباعه، فقد أصاب الذعر الاحتياطي الفيدرالي مرة أخرى، بحيث أقدم على تخفيض نسب الفائدة وإغراق الاقتصاد بالسيولة. قياس عريض لكمية الإصدارات النقدية تُفيد بأن الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس زاد من إصداراته بمعدل سنوي بلغ 37.7% ما بين نهاية كانون الثاني (يناير) وحتى 24 آذار (مارس). وبهذا الاندفاع الكبير لكميات النقد ومكاسب الأسعار التي تحققت في شهر شباط (فبراير) 2007 والتي بلغت 4% لسلع الاستهلاك، و6.4% لسلع الإنتاج، و13.6% للسلع المستوردة، فليس عجيباً أن نرى توقعات التضخم في ارتفاع.

وليس غريباً أيضاً أن يظل الدولار عليلاً. وهو الأمر الذي يجعل من رسالة وزير الخزانة بولسون إلى بكين رسالة شاذة، وبالأخص أنها مبنية على معطيات غير صحيحة قدّمها عدد كبير من الاقتصاديين المرموقين. أعرب، مارتن فلدستاين، بروفيسور الاقتصاد في جامعة هارفرد، عن وجهة نظره بأن ميزان التجارة الثنائي بين الولايات المتحدة والصين يتقرر نتيجة لسعر تبادل العملة بين اليوان والدولار. ولذلك، وحتى يمكن تخفيض فائض التجارة لصالح الصين مع الولايات المتحدة فإنه يدعو إلى رفع قيمة اليوان.

وإلى أن يتخلى مجلس الاحتياطي الفيدرالي عن تحديد التضخم وتتخلى الولايات المتحدة عن سياستها القائمة على ضعف الدولار، فإن التضخم سوف يكون هو سيد الموقف.

*أستاذ علم الاقتصاد التطبيقي في جامعة جونز هوبكنز