أيها المعتصمون.. من أنتم؟

أسبوع ثان يدخل على إضراب الأطباء عن العمل، للمطالبة بتحسين أوضاعهم المالية والمهنية، أمام بوابات المستشفيات الحكومية، التي يرتادها مرضى الضغط والسكري والسرطان، وأطفال ذوبتهم الحمى وأمهات حوامل، ولا رد فعل واحدا عن الحكومة، يبرد نار الوقوف تحت الشمس، ويفتح طاقة فرج في جدران أنهكها خجل الطرق من الداخل...اضافة اعلان
في رائعته "رجال في الشمس" ابتدع الكاتب الفلسطيني الرائع، خيالا لم يكن ليقترب من وقع الحقيقة لحظة واحدة، في أيام كان فيها القتل العمد والتشريد والاغتصاب، عناوين  محور الشر الرئيسية، قبل اختراع التجويع والقهر والتخوين، وأخيرا وليس آخرا المماطلة والتسويف!
فالرجال الذين ركبوا المجهول، هروبا الى المجهول، من الخوف المعلوم إحداثياته وأشكاله وطرائقه، لا يشبهون في شيء رجالا آخرين باتوا، ويبيتون نهاراتهم الساخنة، في محاولات الهروب الى الداخل، وتشبثهم بقواعد البقاء في أماكنهم التي ولودوا فيها، واعتادوا أسرارها الخبيثة، وأحبوها.. أحبوها بصدق وألم لا يضاهيه ألم.. إنهم لا يتقاطعون معهم في نقطة واحدة، اللهم أنهم جميعا رجال في الشمس...
هذه الرواية العجيبة، التي لو قدر أن يعاد تدويرها الى لغة عصرية، تلائم أيامنا هذه، لوجدناها ترسم بالتفاصيل، مشهد الوقوف الطويل، أمام مطالبات شرعية وعادية جدا، في نداء الطبيعة الأول للعيش بكرامة!
يكاد لا يمر يوم على البلد، لا نسمع فيه عن اعتصامات فئوية، واضرابات عمالية، يطالب محركوها بتحسين أوضاعهم التي مر عليها سنوات وسنوات، من دون بارقة أمل تخفف وطأة العيش المر، وغلبة البيروقراطيات الخائبة، في تسريع عجلة النمو والبناء، التي لا يخلو خطاب رسمي وغير رسمي من دون الاشادة بتوقعات تفوقها هذا العام، عن العام الذي قبله!.
"طب من وين"؟ اذا كانت الظروف المهنية والمعملية هي ذاتها.. اذا بقيت العراقيل وتبجحت الأسعار وتمددت الضرائب، وظل الراتب الأساسي مع العلاوات، يراوح نفسه في جدول توزيع الأولويات، ضمن معطيات يومية خلطت الأوراق؛ حيث ما عدنا نعرف من الأول عن الثاني، الغذاء أم السكن أم الدراسة أم الدواء؟
كيف؟ والحكومة لا تعير انتباها للواقفين تحت المطر وتحت الشمس وتحت الحياء، من نظرة المراجعين المغلوبين على متطلباتهم، والذين يفهمون ولا يفهمون؟
إذا كان الاعتصام لا يؤدي مبتغاه ولا يوصل صوته للمعنيين، ولا يحرك ساكنات الاجتماعات والقرارات.. إذا كان التوقف عن العمل لا يدق ناقوس خطر العطل، في حجرات سئمت التكرار والسخرية والثقة، بأنهم أخيرا سيتعبون.. اذا كان رفع الأجور وتحسين ظروف العمل والإقرار بقدسية الحقوق العامة، ليس من بدهيات التعامل المحترم بين الوطن والعامل في الوطن.. ما الخطة باء التي تقترحها الحكومة الشابة النشيطة صاحبة الرقم القياسي في التأثر والاستجابة، للخروج من عنق الزجاجة الذي يكاد أن يخنقنا؟
وأخيرا، إذا كان الأطباء.. الأطباء يا ناس، لا يثيرون بأروابهم البيضاء وسماعات القلب وقلقهم والظلم الواقع عليهم، تحركا باتجاه الحوار مع أصحاب مهنة يتمنى كل طفل أن يكونها كأول خيار.. فما أخبار الأمل؟ أم هو الآخر يمارس هواية الطرق على الجدران؟