أيّ "انقسام" تجاه سورية؟!

تحت وطأة الجلبة الإعلامية التي تحدثها نخبة محدودة تجاه سورية، تجري محاولة تسويق ذلك بوصفه انقساماً شعبياً حادّاً، وهو غير صحيح. فلا أحسب أنّ الأغلبية المطلقة من المواطنين الأردنيين يمكن بأيّ حال من الأحوال أن تبرّر المجازر والقتل والقمع والاعتقالات البربرية التي تجري بحق المدنيين والأبرياء في سورية، تلك كذبة كبيرة يراد تمريرها تحت وابل من الغطاء الإعلامي الهشّ!اضافة اعلان
عندما وجد أنصار النظام السوري وزبانيته في عمّان أنفسهم ضعفاء معزولين في الشارع لا يستطيعون تبرير المجازر أو التخفيف من ظلالها القتيمة على المواطنين الأردنيين، لجأوا إلى افتعال معارك أخرى، كالحديث عن رفض التدويل والتأكيد على وحدة الأراضي السورية ورفض الحرب الأهلية والفوضى، وكأنّ هنالك من الشعب السوري أو من يتعاطفون معه من الشعوب العربية من يؤيّد ذلك!
القضية الأولى الرئيسة داخلية، تتمثل في نظام يبطش بشعبه ويغلق أمامه منافذ التغيير السلمي والإنساني، وقد تجاوز في القمع والقتل والاعتقال والإهانة والتنكيل خطّ الرجعة أو إمكانية التصالح والعودة إلى وراء، مستمسكاً بموازين القوى الداخلية (الجيش والأمن والرعب والخوف والوحشية)، باعتبارها "وصفة الانتصار" على شعب أعزل محارب في أمنه وخبزه. ويضيف النظام إلى مجازره قطعاً للكهرباء والماء والإمدادات الطبية والوقود والمواد الأساسية، فهي حرب تجويع وتركيع بكل الآليات والإمكانات.
قبل تدبيج المقالات والبيانات ضد التدخل الخارجي وموقف جامعة الدول العربية، على من يريدون نقل السجال إلى هذا المربع، اتخاذ مواقف حاسمة واضحة معلنة في الدفاع عن حق الشعب السوري في تقرير مصيره، وفي الكرامة والحرية، ورفض المجازر والقتل والاعتقال والإبادة الجماعية الحالية، فهذا هو المربع الحقيقي للسجال والنقاش السياسي والإعلامي.
لم تطرح الثورة السورية مسألة المناطق العازلة ولا الحماية الدولية إلاّ عندما وصل قمع النظام إلى مرحلة الإبادة، ولم تحدث عسكرة للثورة إلى الآن، والأعمال التي تجري هي من عساكر منشقين أو بعض الشباب المتعاطفين ممن لم يستطيعوا تحمل المشاركة في القمع والقتل أو الموقف السلبي بلا حول ولا قوة إزاء هذه المجازر.
النظام السوري مكروه غربياً ودولياً وإسرائيلياً، بل وحتى عربياً.. هذا صحيح، وتحالفاته غير مقبولة لدى هذه الأطراف صحيح أيضاً، لكن هذا لا يعني وجود إرادة دولية برحيل النظام أو تغييره، بل ما يبدو إلى الآن هو وجود تواطؤ دولي على بقاء النظام واستمراره، فلو كان هنالك قرار حاسم لما بقي هذا النظام الهشّ أكثر من أسبوع، لكن الخشية الدولية هي من اليوم التالي لسقوط النظام.
الجميع مع وحدة الأراضي السورية وضد الحرب الأهلية والفوضى، ومع عدم الوصول إلى هذه المرحلة ومع مخرج سلمي للأزمة الحالية. لكن ذلك ليس مسوغاً أبدا لاتخاذ مواقف فيها مساواة بين الجلاد والضحية. أي موقف لا بد أن يطالب بسحب الجيش من المدن فوراً، وإطلاق المعتقلين جميعاً، والسماح بوفود من المجتمع المدني العربي تراقب الأوضاع الحالية، وإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية قريبة، لإقامة نظام جديد ومحاسبة من سفكوا دماء الشعب.
هذه الخطوات المطلوبة نحو إقامة دولة مدنية ديمقراطية حرة تعكس خيار الناس ومواقفهم، وهذه هي الوصفة الوحيدة الشرعية لتجنب سيناريوهات التدويل أو الفوضى والحرب الأهلية، فحماية الشعب السوري أولاً وأخيراً وحقوقه الإنسانية والسياسية والاجتماعية.

[email protected]