إبداء القلق بهدف الاستعجال؟

يتصاعد قلق واشنطن وموسكو وباريس من التحرك العسكري التركي شمال سورية؛ لأن هذا التحرك يتجاوز استهداف تنظيم "داعش" إلى توسيع نطاق استهداف الأكراد. وهذا القلق سيكون حاضراً في اللقاء المزمع إجراؤه بين الرئيس الأميركي باراك أوباما، ونظيره التركي رجب طيب أردوغان، في الصين، بعد غدٍ (الأحد)، على هامش قمة مجموعة الـ20 في هانغزو بالصين. كما سيكون هذا الملف مدار نقاش بين وزير الدفاع الأميركي أشتون كارتر، ونظيره التركي فكري إيشق، على هامش لقاء دولي الاثنين المقبل في لندن.اضافة اعلان
لا تسمح سياسة "إدارة التوازنات" التي تنتهجها واشنطن في الشرق الأوسط، وموافقتها على العملية العسكرية التركية شمال سورية، بالقول إنها باعت الأكراد لتظفر بالحليف التركي، الذي تشهد علاقته بالغرب فتوراً واضحاً ومتعمّداً منذ الانقلاب الفاشل منتصف تموز (يوليو) الماضي.
لقد استثمرت أميركا الكثير في أكراد سورية، وكانوا شركاء أساسيين في الحرب على "داعش" وأخرجوه من منبج، وأثبتوا كفاءة عالية كقوة محلية طموحة وفعّالة يمكن الاعتماد عليها. والأهم أنّ هذه القوة وفّرت الحضور العسكري الأميركي المباشر في شمال شرق سورية، حيث النفوذ والسيطرة الكردية على تلك المنطقة.
مع تمسّك واشنطن، حتى الآن، بالورقة الكردية وبالشراكة مع "قوات سورية الديمقراطية"، فإن الولايات المتحدة أدركت أنّ الأكراد أخطأوا حينما تجاوزوا إلى غرب الفرات، ما مسّ حساسية تركية مفرطة. ومن هنا عدم عرقلة واشنطن لمطالب أنقرة بعودة الأكراد إلى شرق الفرات. هذا يعني أنّ الولايات المتحدة ما تزال تدعم بقوة استمرار سيطرة الأكراد على المناطق الواصلة من القامشلي حتى شرق الفرات. ثمّ إنّ الاستدارات التركية الجديدة نحو موسكو وطهران ودمشق، ودخول أنقرة كلاعب مباشر على الأرض السورية، يعزز حاجة أميركا للأكراد، في ظل غياب شبه تام للجانب العربي الذي ارتهن معظم حضوره الداعم للمعارضة السورية بمواقف ونهج أنقرة ما قبل الانقلاب الفاشل.
والواقع أنّ "إدارة التوازنات" لم تكن مجرد غضّ طرف من جانب واشنطن عن العملية العسكرية التركية في جرابلس، بل رافقها دعم جوي أميركي اعتبرته انقرة "مفيداً". وقد أبلغ وزير الخارجية الأميركي نظيره التركي بأن الأكراد ينسحبون بالفعل نحو شرق الفرات، من دون أن يعني ذلك بيعاً للشركاء الأكراد، بل ثمة موقف دولي يتشكّل للضغط على أنقرة لوقف القتال بين الأتراك والأكراد. لكن تزايد التعزيزات العسكرية التركية على الحدود السورية يؤكد إصرار أنقرة على عمل شريط آمن على مدى عشرات الكيلومترات. وفي حال نجاحها في ذلك وطردها "داعش" والأكراد من المناطق الحدودية، فسيعني هذا أنّ قلق العواصم الكبرى من التحرك التركي بلا معنى، أو هو من باب الاستعجال في تنفيذ المهمة التركية وإنجازها على وجه السرعة، وكبح جماح رغبة أنقرة في قصم ظهر الأكراد أو خروج نطاق المواجهات بين الطرفين عن السيطرة.
نهج "إدارة التوازنات" الأميركي يعززه غياب أي إطار لتسوية شاملة واتفاق سياسي محكم في سورية؛ وذلك بسبب تناقض الأجندات الإقليمية والدولية، التي تجعل شروط وأسس التسوية المستدامة غائبة، في ظل عدم التوافق على النقاط الخلافية. ومن دون إرادة دولية حقيقية، سيجد المتصارعون دوافع ومسوغات للقتال والقتل والاستنزاف، من دون اعتبارات للمسائل الإنسانية والأخلاقية. وقد كان الجدل بين المعارضة والنظام على كيفية إيصال المساعدات الإنسانية إلى حلب؛ عبر الكاستيلو (الواقع تحت سيطرة النظام) أم الراموسة (الخاضعة لسيطرة المعارضة)، دليلاً على الإرادة الدولية العرجاء، وعدم رغبتها أو قدرتها على منع الأوكسجين عن النيران المشتعلة في المنطقة، لأنّ سياسة "إدارة التوازنات"، بكل تعقيداتها وتناقضاتها وضعف مضمونها القيمي والإنساني، تقول إنّ على أهل المنطقة أنفسهم أنْ يعبّدوا الطريق لذلك... وليس القوى الخارجية!