إدارة شؤون الناس

كأن النتيجة التي نقاد إليها هي أن يصل إلى قناعة المجتمعات العربية أن أطروحة المشاركة، بأشكالها كافة، لم تكن أكثر من تعويذة شريرة، جاءت بكل الشرور التي تضرب هذه المجتمعات. فالأدوات السياسية وحدها تبدو غير كافية في تفسير تعقيد المشهد العربي الراهن الذي أخرج شرور الأنظمة التقليدية والجديدة، وشرور التآمر الخارجي، وقبل ذلك رفع الغطاء عن شرور الداخل المزمنة والأكثر خطورة. في المقابل، يبدو واضحا فقر النظم السياسية والاقتصادية العربية وانكشافها أمام فكرة إدارة شؤون الناس ومصالحهم بعيدا عن الاستبداد والاقصاء، وبعيدا عن الفساد والنهب المنظم.اضافة اعلان
حينما نتعامل مع السياسة باعتبارها علما، فإن هناك مستويين لفهم هذا التطور، وما يرافقه من التحولات. الأول، يسمى السياسة العليا، والتي تُعنى بالقواعد الناظمة للعمل السياسي والمؤسسات التي تقوم على تنفيذ تلك القواعد، مثل البرلمانات والحكومة المركزية والعلاقات الدولية والإقليمية. والثاني، يسمى السياسة المحلية، المعنية أكثر بفكرة صناعة السياسات العامة، والتي تُعنى بإدارة شؤون الناس والمجتمعات المحلية، والتعامل مع المطالب. وفي هذا المستوى، تتعدد المؤسسات التي تنفذ السياسة العليا على المستوى المحلي، ولكنها تُعنى بالدرجة الأولى بالخدمات وتحقيق المطالب. ويحدث الخلل وعدم الاستقرار حينما تتراجع قدرة المؤسسات الدنيا عن تلبية المطالب، أو حينما تفتقد القدرة على إنفاذ القواعد العامة التي توافق عليها الجميع. وفي الحقيقة، يبدأ هنا عدم الانسجام والابتعاد بين المؤسسات على المستوى الوطني والمؤسسات على المستوى المحلي. وهذا يعني أنه كلما عجزت المؤسسات المحلية عن تلبية المطالب، كلما ازداد الضغط على مؤسسات السياسة العليا، وصولا إلى تحول المطالب من مطالب خدمية محلية، إلى مطالب بتغير قواعد إدارة السياسة العليا.
هنا، علينا أن نراقب في التحولات العربية أن السنوات الأخيرة انشغلت بتغيير قواعد السياسة العليا؛ مثل الدساتير والبرلمانات ونظم الانتخابات، بينما ما تزال أوضاع السياسة على المستويات الدنيا مهملة، وهي السياسة الثقيلة التي تُعنى بالمجتمعات المحلية والناس بالدرجة الأولى؛ وهي الأساس. وعلينا إدراك أن الحديث عن السياسة المحلية، وفي مقدمتها الديمقراطية المحلية، لم يواكب في الأهمية الحديث عن السياسة على المستوى الوطني، وهنا تكمن المشكلة؛ في أن الناس لا يشعرون بانعكاس التحولات السياسية الكبرى والإصلاحات التي تواكبها، على حياتهم ومعاشهم اليومي، الأمر الذي يدفعهم إلى المزيد من الرفض والمطالبة بتغيير القواعد العليا للسياسة.
العمق الاجتماعي للديمقراطية يتحقق حينما نخلق توازنا بين السياسة الدنيا والسياسة العليا؛ أي اتساع القاعدة الاجتماعية المؤمنة بالإصلاح، والمعتقدة بالديمقراطية طريقا للحل ولتغيير نوعية حياة الأفراد والجماعات نحو الأفضل، بمعنى أن نبحث عن عمق الديمقراطية في القواعد الاجتماعية العريضة، ولا نكتفي بإدارة الصراع والتوافق بين النخب، بحيث يكون حضور المطالب الديمقراطية ليس مجرد حضور وعمل نخبوي، بل يذهب عميقا في المجتمع والحياة اليومية، وفي الثقافة الشعبية، ويتجسد في المجتمع المدني الفاعل؛ فالعمق المجتمعي للديمقراطية يعني التحول الكيفي العظيم الذي يجعل من الانقسامات الاجتماعية الحادة حول الأديان والمذاهب والإثنيات والثقافات الفرعية والجهات والأصول والمنابت والفروع وغيرها، حالة من التنوع داخل الوحدة، وبالتالي مصدرا للثراء وقوة المجتمع.
علينا أن ندير عقارب التفكير السياسي نحو السياسة المحلية؛ نحو دمج الناس في السياسات العامة، وتوسيع قاعدة الحوار حول الخيارات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. وربما سنكتشف، كما يحدث في أعرق الديمقراطيات، أن العمل الديمقراطي الذي يقود الإصلاح وينعكس على حياة الناس، يحتاج أن تكون قاعات البرلمانات انعكاسا لما يدور في قاعات البلديات والمجالس المحلية، وليس العكس.