إسرائيل بين أطفال العراقيب وغانا

اصطف، في الأيام الأخيرة، عدد من قادة إسرائيل البارزين، ومعهم أسماء "لامعة" في الحركة الصهيونية، يطلقون خطابين؛ الواحد منهما يكشف رياء الآخر، يتباكون على قرار حكومتهم بطرد 400 من أبناء العمال الأجانب غير المرخصين للعمل في إسرائيل، ويدعون لمنحهم الإقامة وحتى المواطنة، وفي اللحظة نفسها يصفقون لعساكرهم وهي تقتلع أطفال فلسطينيي 48 من قريتهم "العراقيب" في صحراء النقب، لأنهم وآباءهم وأجدادهم وأجداد أجدادهم "ليسوا شرعيين" في وطنهم على أراضيهم.

ويدور جدل في إسرائيل منذ عامين، حول تنامي أعداد ابناء العمال الأجانب الذين اقاموا عائلات خلال تواجدهم في إسرائيل، أو أنهم استقدموا عائلاتهم من أوطانهم، وغالبيتهم من دول افريقية. واختلف فريقان حول قضية بقائهم أو إعادتهم إلى بلدانهم، ولكن مستوى انشغال الحلبة الإسرائيلية بهذه القضية يتعدى كل حدود، وهذا ليس صدفة، فهناك من يسعى إلى الظهور أمام العالم في مشاهد "انسانية" للتغطية على الجريمة الكبرى، جريمة اقتلاع شعب بأكمله من وطنه، فالجهات التي تتباكى على أولاد العمال الأجانب، ترفض حق عودة اللاجئين الفلسطينيين، وتشجع استمرار جرائم اقتلاع الفلسطينيين من وطنهم.

وهذا ما طرحته هنا قبل عام بالضبط، ولكن ما دفعني إلى طرحه من جديد، هو أن القضية تفجرت من جديد، بتزامن مع جريمة اقتلاع قرية "العراقيب" ومحاولة الاستيلاء على أراضيها بالقوة.

فقبل أيام قررت حكومة بنيامين نتنياهو طرد 400 من أبناء العمال الأجانب وإعادتهم إلى أوطانهم، فامتلأت الصحف ووسائل الإعلام على مدى أيام بتقارير التعاطف ورفض القرار الحكومي، وخصصت كبرى الصحف عدة صفحات يوميا للحديث عن هذه القضية، وهناك أسماء "لامعة" بامتياز رفضت القرار الحكومي، وعلى رأسها وزير الحرب إيهود باراك.

وراح إيلي فيزل، الأميركي اليهودي، الذي اشتهر كـ "صياد قادة النازية"، والحاصل على جائزة نوبل للسلام، ليقول، "كيف من الممكن أن دولة يهودية تطرد 400 طفل ولدوا في إسرائيل"، ويضيف، "نحن شعب يذكر كل حملات الطرد التي عرفها التاريخ، وببساطتي اعتقدت أن لدينا حساسية أكبر لمسألة الطرد"، وهناك حتى من استذكر معسكرات النازية وأطفال اليهود فيها.

وبتزامن مع هذا المشهد أقدمت قوات التدمير الإسرائيلية على هجومين متتاليين لاقتلاع أهالي قرية العراقيب الفلسطينية في صحراء النقب من قريتهم وتدميرها، بزعم أنها قرية "ليست شرعية" قائمة على ما يسمى "اراضي دولة"، رغم أن أصحابها يملكون وثائق ملكيتها، فبعد جولة التدمير الأولى أعاد الأهالي بناء مساكن القرية، فعادت القوات ذاتها بعد أيام لتدمر ما تم انجازه من جديد، فعاد الأهالي ليبنوه مرة أخرى.

وإن كان هذا يحدث في مناطق 1948، ففي هذه المرحلة أيضا شهدنا المشهد ذاته بأشكال مختلفة في حي الشيخ جراح وحي سلوان في القدس المحتلة، في حين أن كل الجوقة السابق ذكرها، ليس فقط أنها صمتت بل شجعت جرائم الاقتلاع، طالما أنها تطال الفلسطينيين، فوسائل الإعلام الإسرائيلية اهتمت أكثر بغبار الصحراء الذي علق على عساكر "الدولة اليهودية"، الذين أرسلهم إيهود باراك ذاته، أما فيزل ذاك، فقد أغرق نفسه في سبات دببة شتوي، في أوج حر الصيف، ونسي "دولة اليهود وغيتوات النازية".

"تبشرنا" وسائل الإعلام الإسرائيلية بأنه في الأيام المقبلة سيزداد الانشغال في قضية أبناء العمال الأجانب، فعدة منظمات ستتوجه بالتماس إلى المحكمة العليا، كما يحلو لنتنياهو أن يصدر بيانا لوسائل الإعلام يعلن فيه استعداده لإعادة النظر في قرار الإبعاد.

وفي المقابل "تبشرنا" قوات التدمير أنها تعتزم في الأيام المقبلة شن هجوم ثالث ورابع على قرية العراقيب لاقتلاعها من جديد، كي تكون نموذجا لأكثر من 40 قرية أخرى، يقطنها حوالي 90 ألف نسمة من فلسطينيي 48، كلها "تنتظر" الاقتلاع.

اضافة اعلان

ولكن هذه القرى تبشرنا بما هو أكيد: كلما اقتلعوا بنينا، وبنينا المزيد، فنحن على أراضينا، ومن جاء الينا من بعيد ليعتبرنا غير شرعيين فليرحل إلى حيث جاء.

[email protected]